الصفحات الكاملة
الرأي
السبت 2009/5/23 العدد:548
أحمد فرحات
4 نساء في قاعة عبدالله السالم.. لماذا؟
لم تكن نتائج انتخابات مجلس الأمة مفاجئة للمجتمع الكويتي وحده، وإنما أيضا، وبصورة أكبر، للعديد من المجتمعات المحيطة به والبعيدة عنه في العالمين العربي والإسلامي.
فما أسفرت عنه هذه النتائج بوصول أربع نساء دفعة واحدة إلى قاعة عبدالله السالم، كان له حقيقة وقع الصاعقة الإيجابية على كل من كان يرصد المشهد الديمقراطي الكويتي، وعنوانه الأبرز في هذه المرحلة: الاستحقاق الانتخابي النيابي. ومن هنا جاء هذا الاحتفاء الإعلامي الكبير، والذي تصدر الصحف العربية بمنشتاتها العريضة وعلى صفحاتها الأولى، فضلا عن سائر الوسائل الإعلامية الأخرى من فضائيات وإذاعات عربية مركزية. حتى إن بعض رؤساء تحرير صحف عربية مرموقة جعلوا افتتاحياتهم تتناول هذا الحدث الديمقراطي المفاجئ، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، طلال سلمان رئيس تحرير جريدة «السفير» اللبنانية، والذي كتب يقول في افتتاحيته المعنونة: «نموذج الكويت والانتخابات في لبنان: ديمقراطية الطوائف والبدو.. والنساء»: «ها هي الكويت تتقدمنا الآن، فيتسع برلمانها الجديد للإسلاميين والليبراليين، للسنة والشيعة، للحضر والبدو، للعائلات العريقة، والكفاءات الجديدة.. والأهم لأربع نساء كلهن خريجات بعض أرقى جامعات العالم».
وثمة مفاجأة أخرى أسفرت عنها الانتخابات الأخيرة، هي تراجع حصة المقاعد النيابية التي كانت طاغية للإسلاميين في المجالس السابقة، وبخاصة منهم الحركة الدستورية الإسلامية (الإخوان المسلمون) وجمعية إحياء التراث (السلف) حيث خسروا 7 مقاعد، وكان الأمر بالنسبة إليهم أكثر من هزيمة متحققة، خصوصا أن بعضهم كان تداعى من قبل لدراسة إخفاق وضعه في الانتخابات السابقة على هذه التي جرت قبل أيام معدودات، وأعني من بينهم هنا حركة «حدس» والتي على ما يبدو لم تتوصل إلى معرفة المزيد من أسباب اهتزاز الثقة الشعبية بها، أو ربما كانت عرفت هذه الأسباب ولم تعمل استطرادا على تداركها، فكانت النتائج في الانتخابات الأخيرة أفدح عليها وأقسى.
والحقيقة أن جملة أسباب موضوعية مجتمعة أدت إلى ظهور هذه النتائج التي أسفرت عنها انتخابات مجلس 2009، والتي يمكننا اعتبارها سابقة في تاريخ الديمقراطية الكويتية، خصوصا أنها جاءت بأربع نساء مشهود لهن بالكفاءة والجدارة والامتياز العلمي والتخصصي العالي. والأسباب أو الدواعي يمكن إجمالها بالآتي:
أولا: صحيح أن المجتمع الكويتي هو في الإجمال مجتمع محافظ، لكنه أيضا مجتمع حديث، منفتح وعلى شيء كبير من تمثّل الحياة العصرية الواثقة. فهو مجتمع مختلط بالآخر في العالم، ولاسيما في المجتمعات الديمقراطية العريقة، في الغربين الأوروبي والأميركي، وكان ولايزال يعرف كيف يستفيد من هذا الاحتكاك بالآخر، إيجابا وسلبا أحيانا، ولا بأس من هذا الاحتكاك الإيجابي بالآخر خصوصا إذا كان سينتج عدوى سياسية متقدمة مؤداها احترام المرأة والثقة بها في أن تكون في موقع متقدم من المسؤولية السياسية المباشرة، إن في موقع الوزارة أو في موقع النيابة.
ثانيا: المرأة هذه المرة احتشدت للمرأة، كاسرة بذلك حواجز وهمية وواقعية في آن، كان ولايزال يفرضها المجتمع البطريركي أو الذكوري الكويتي، إما تلقائيا بحكم الأعراف الاجتماعية السائدة، وإما عن سابق قصد وترصد وتحد لهذه الأعراف، خصوصا في الجوانب السلبية منها، فأقبلت النساء على صناديق الاقتراع باحتشاد ملحوظ قلب المعادلة الانتخابية، وثبّت حالة سياسية جديدة تشكل فيها المرأة العنوان الأبرز.
ثالثا: تبلور في الآونة الأخيرة في الكويت شعور مضاد للتيارات الإسلامية ممثلة بوجهيها البارزين: «حدس» و«السلف»، خصوصا تجاه المناورات السياسية غير المستساغة التي مارسها هؤلاء الإسلاميون، وبلغ أوجها في وقوف بعضهم العلني ضد مجيء المرأة إلى البرلمان، لممارسة حقها السياسي في خدمة مجتمعها ووطنها.. وبعضهم وصل حد تحريم هذا الاستحقاق على المرأة، الأمر الذي أثار عليه حفيظة فئات لا يستهان بها في المجتمع الكويتي، نساء ورجالا، بمن فيهم إسلاميون وسطيون معتدلون لا يجدون ضيرا البتة في مشاركة المرأة في العمل السياسي المتقدم، وذلك طبعا بما يحفظ كرامتها ويصونها من التبذل وينأى بها عن كل ما يتنافى والخلق الكريم.
رابعا: التغيير.. نعم التغيير، كان ولايزال هاجس فئة شبابية جديدة لا يستهان بها من الكويتيات والكويتيين. وهذه الفئة تريد فعلا أن ترى وجوها نيابية جديدة، ولاسيما على مستوى العنصر النسائي. والملاحظ أن هذه الفئة الجديدة هي في معظمها من الطلبة الذين درسوا وتخرجوا في جامعات مرموقة، وتريد أن ترى خطابا سياسياً مختلفاً يمثل طموحاتها المغايرة والمستقبلية.
خامسا: دور الليبراليين والمجتمع المدني، كان بارزا أيضا في الاحتشاد للمرأة المترشحة ومناصرتها، وذلك من موقع الدفاع عن القيم المدنية، وتحديث الدولة ومؤسسات الدولة. والقيم المدنية، تشمل فيما تشمل، تعزيز حقوق المرأة وتمكينها في أدوارها الاجتماعية والسياسية والإنسانية، وبالتالي الدفع بها إلى تحمل المسؤولية عمليا وليس من خلال الشعارات فقط.
سادسا: الدور الحيوي لبعض رموز الطبقة التجارية الكويتية المنفتحة، والتي ترى أن دورها السياسي الحداثوي يحتم عليها أيضا أن تكون في قلب ثقافة الانفتاح والتجدد، ودعم القوى والبرامج والأنساق المدنية التي تزخّم بدورها ثقافة الديمقراطية ومؤسساتها، بما يخولها بلورة حياة جدية بعيدة عن الانغلاق والتعصب وكل الاصطفافات الطائفية والمذهبية والقبلية والعشائرية. وبعض رموز هذه الطبقة التجارية يقال إنه أسهم إسهاما مباشرا بدعم بعض المترشحات، ولو بالحد الأدنى من مستلزمات عملية الترشح ماديا، وليس ذلك طبعا من باب تدخل المال السياسي في العملية الانتخابية.
سابعا: نوعية المترشحات أنفسهن. فمعظمهن من الكفاءات الموثوق بها علميا وأخلاقيا، وبعضهن مارس المسؤولية السياسية القيادية من موقع الوزارة مثلا، فأثبت خلالها، أنه جدير بالمسؤولية في تصدره العمل الخدمي العام، إن لناحية نظافة الكف، أو للجهد الدؤوب في تفعيل ماكينة وزارته، ثم لممارسته أنموذجا للإصلاح داخل هذه الوزارة ليكون قدوة لغيره في وزارات أخرى.. وكان مثلا أن استقالت الوزيرة معصومة المبارك من منصبها إثر حريق حصل في مستشفى الجهراء الحكومي، مثبتة بذلك أنها وزيرة حضارية، قديرة، وجديرة بتحمل أمانة المسؤولية التي تناط بها.. ولأجل ذلك، على ما يبدو، كافأها الناخب الكويتي اليوم، كمترشحة لعضوية مجلس الأمة، فتصدر اسمها لائحة الأصوات الأكثر عددا بين أسماء النواب الذين نجحوا معها في دائرتها الانتخابية.
حقيقة إن نجاح المرأة الكويتية بالوصول إلى الندوة البرلمانية، يعتبر من الفضائل المدنية التي أنتجتها الديمقراطية الكويتية.. هذه التي علمت الناخبين وعموم المواطنين الكويتيين.. على الأقل.. كيف ينبغي أن يتعاونوا بعضهم مع بعض سياسيا للوصول الى ما يرمون إليه، ويحددون خياراتهم بملء إرادتهم.

كاتب من لبنان
تاريخ النشر : 2009-05-23
 
 شاركنا بتعليقك 











 جاري إرسال رسالة
جاري التحميل...