الوطنية العراقية في حضرة المالكي
ما الوطنية؟ ما لونها؟ ما طعمها.. ورائحتها؟ ما طولها، عرضها وعمقها؟ كيف يكون شكلها، ملمسها وهيئتها؟
اسألوا نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي عن هذا كله. فلديه الخبر اليقين لمعنى الوطنية ومبناها.. شكلها ومضمونها.
منذ بضعة أيام فقط، تجسّدت الوطنية العراقية للسيد المالكي على هيئة إنسان.. رجل ثمانيني، نحيل البدن، اسمه نوري الراوي، الفنان التشكيلي المبدع، وليس بائع الأعلاف الذي جعلت منه الطائفية السياسية منذ بضع سنوات وزيرا للثقافة في بلد يزدحم دائما بمثقفيه (ينتشر المئات منهم الآن في قارات العالم جميعا).
كنت أتمنى لو أن السيد المالكي استدعى الى مكتبه، وهو يستقبل الفنان نوري الراوي ليكرّمه، كل وزراء حكومته ووكلائهم ورؤساء المؤسسات والدوائر الحكومية وزعماء الأحزاب وقادة الميليشيات.
تمنيت لو أن المالكي فعل هذا، ليلتفت الى الجمع المحيط به بعد أن ينتهي من تكريم الفنان الكبير، ويقول لهم كلمة مقتضبة: هذا هو تجسيد الوطنية العراقية بكامل أبعادها. عليكم جميعا، وبالذات منكم، الذين انخرطوا في الاقتتال في سبيل السلطة وانغمروا في الفساد من أجل السحت الحرام، أن تحنوا رؤوسكم لهذا الشيخ، وتضعوا كل تصريحاتكم وبيانات أحزابكم تحت قدميه، فهي في مجموعها لا تساوي في قيمتها عشر معشار ما فعله هذا الرجل.
ماذا فعل نوري الراوي الفنان؟
لم يرسم نوري الراوي جدارية لقوميته «العربية»، ولا لوحة لمذهبه «السني»، مثلما لم يلتحق بحزب، أو ميليشيا، ليعبّر عن وطنيته ويمارسها .. ما فعله الفنان التشكيلي الكبير، هو أنه تبرّع بكل مقتنياته الفنية للمتحف الوطني، وهذا ما جعل المالكي يستقبله في مكتبه ليكرّمه، والفنان في الواقع يستحق التكريم من دون هذا التبرع وقبله.
أعرف، ومنذ زمن بعيد، أن مقتنيات الأستاذ الراوي المحفوظة في بيته البغدادي، هي نفيسة للغاية، ولا بدّ أنها غدت أكثر نفاسة الآن، وربما لا تقدّر بثمن.
كنت أتمنى لو أن السيد المالكي، الذي تعهّد غير مرة أخيرا بشن «صولة» على الفاسدين والمفسدين في أجهزة حكومته، قدّم في عرض حيّ ومباشر لمسؤولي هذه الأجهزة، من وزراء ومديرين، ولزعماء الأحزاب وقادة الميليشيات، هذا التجسيد الحي المجسّم للوطنية، والذي تجلّى في هذا الشيخ الفنان وأعماله الإبداعية الجديدة، والتي ستأخذ بالإضافة إلى سابقاتها، مكانتها الريادية والتاريخية الخالدة في عالم الفن التشكيلي.. عربيا وعالميا.
عسى أن يفعلها السيد المالكي في مرات مقبلة، فيكرّم مثلا المزيد من زملاء الراوي، من كبار التشكيليين والنحاتين والمسرحيين والموسيقيين والمغنين والشعراء والأدباء ونخبة الأكاديميين المتميزين. وهو تكريم، في المناسبة، تكلفته لاتساوي شيئا إزاء ما سرقه وزير واحد من وزراء حكومته أو الحكومات السابقة.
adnan.hussein@awan.com
تاريخ النشر : 2009-05-24