الصفحات الكاملة
الرأي
الأحـد 2009/6/14 العدد:570
عدنان حسين  |  شناشيل
adnan.hussein@awan.com
ألاعيب سياسية تهدد العراق
أغلب الظن أن وزير المالية العراقي لم يكن بالبراءة التي تحدّث بها، حين برر الاقتراح الذي قدّمه إلى حكومته، وأقرّته، قبل أن تتراجع عنه بعدما أدركت خطأ ما أقدمت عليه. فللتخفيف من المصروفات العامة لمواجهة الشح في موارد الموازنة العامة بعد تراجع أسعار النفط، اقترح الوزير، من بين ما اقترح، سحب مئة مليار دينار (85 مليون دولار) من موازنة اللجنة المكلفة تطبيق المادة 140 من الدستور، التي وضعت خارطة طريق لحل مشكلة كركوك والمناطق الأخرى المختلف عليها ما إذا كانت تتبع إقليم كردستان أو تبقى خارج نطاقه. والأمر الجيد أن الحكومة سرعان ما تلمست خطل خطوتها فتراجعت عن موافقتها على اقتراح الوزير، وأعادت المبلغ المسحوب الذي لا يوازي ما يسرقه بعض الوزراء، (الثابت أن الدولة العراقية تفقد سنويا الآن نحو أربعة مليارات دولار يستولي عليها الفسدة من الوزراء والمديرين).
كان من المفروض أن تكون لجنة المادة 140 قد أنهت أعمالها تماما منذ العام الماضي، بتطبيع الأوضاع في المناطق المتنازع عليها، واستفتاء سكانها على مصيرهم، بيد أن الصراعات والمماحكات بين الكتل السياسية داخل الحكومة والبرلمان العراقيين عرقلت أعمال اللجنة، وزادت من تعقيدات مشكلة يمكن أن تطيح بكل الآمال العراض بعراق موحد وديمقراطي وآمن ومستقر. وإذا أردنا أن نسمي الأشياء بأسمائها، فإن النزعة الشوفينية لدى الكثير من أفراد النخبة الحاكمة في بغداد اليوم، هي الأساس في عرقلة تنفيذ المادة 140. فبعض هؤلاء الأفراد لا يريد إلا حلا واحدا للمشكلة المعنية هذه المادة بحلها، وهو عدم إلحاق أي من هذه المناطق بالإقليم، حتى لو كانت الأغلبية الساحقة من السكان كردية، وحتى لو كان الالتحاق بالإقليم هو الرغبة الحقيقية والإرادة الحرة لهؤلاء السكان.
منذ أول حكومة تشكلت في العهد الجديد، لم يُتخذ أي إجراء لوضع هذه المشكلة على طريق الحل، والحكومة السابقة التي ترأسها إبراهيم الجعفري لم تضع دينارا واحدا في موازنة اللجنة على مدى أكثر من سنة، فيما الحكومة الحالية ماطلت كثيرا في تطبيق بنود المادة 140 التي أزف موعد تنفيذها بالكامل، ما جعل الشوفينيين في الحكومة والبرلمان يدعون علنا إلى وقف أي ترتيب له علاقة بهذه المادة، بدعوى أنها أصبحت فاقدة الصلاحية بالتقادم. هذا كله بطبيعة الحال لعبٌ خطير بالنار التي يمكن أن تحرق العراق مجددا، مثلما أحرقته النار التي ظلت حكومات العهود السابقة تلعب بها على مدار سبعين سنة. فعدم الاعتراف بحقوق الكرد في العهد الملكي، أو عدم تمكينهم منها بعد الاعتراف بها إثر ثورة 14 تموز، واتفاقية آذار 1970، كانا وراء كل المحن والمآسي الكبرى التي كابدها العراق.. من حروب الشمال، إلى الحرب على إيران، إلى غزو الكويت، فحرب 1991، وحرب 2003.
لمشكلة كركوك والمناطق الأخرى الموروثة من العهود السابقة، مئة حل يمكن ألا تقبل بها، أو تتوافق عليها الأطراف ذات الصلة بهذه المشكلة، لكن الأكيد أن هناك حلا واحدا يمكن أن يرضي كل الأطراف، هذا الحل موجود، وللتوصل إليه لا بدّ من التعامل مع القضية بكل جدية ومسؤولية، وهذا يتطلب في المقام الأول الكفّ عن الألاعيب السياسية للوزراء والنواب وسواهم من مسؤولي الدولة، فالعراق لم يعد يحتمل العواقب الكارثية لهذه الألاعيب.

adnan.hussein@awan.com
تاريخ النشر : 2009-06-14
 
 شاركنا بتعليقك 











 جاري إرسال رسالة
جاري التحميل...