الانسحاب الأميركي.. ربما غير المناسب
اليوم، الثلاثون من يونيو (حزيران) 2009، وربما أي تاريخ سابق له، كان يمكن أن يكون موعدا للانسحاب الكبير من العراق.. الانسحاب الحقيقي، لا الشكلي، أو الجزئي، للقوات الأميركية، والحليفة لها، من العراق بأكمله، وليس من المدن فحسب.
المسؤولون، بالدرجة الأساسية، عن عدم حصول الانسحاب الشامل، هم الذين وقفوا أكثر من غيرهم ضد عملية إسقاط نظام صدام حسين، وبالتحديد البعثيون، وجماعة القاعدة، ومعهم سورية وإيران. فتحت شعار معارضة الاحتلال الأجنبي، نظّمت هذه الأطراف عملية منسقة لزعزعة الأمن في العراق، فكان أن دفع العراقيون الثمن الباهظ لهذه العملية، وتطلّب الأمر زيادة القوات الأجنبية، عديدا وعدّة، واستمرار وجودها إلى هذا اليوم، بل إلى ما بعد 18 شهرا من الآن، وربما أكثر.
هذا الحلف الرباعي (البعثيون، القاعدة، سورية وإيران) أبلى خلال السنوات الست الماضية بلاء «حسناً»، في التخطيط والتمويل والتسهيل والتنفيذ لآلاف عدة من الهجمات المسلحة، وعمليات التفجير، والاختطاف، والقتل الجماعي، والذبح الفردي، التي راح ضحيتها أكثر من 100 ألف عراقي، معظمهم من المدنيين (كل قتلى الجيش الأميركي، بمن فيهم ضحايا العمليات غير القتالية وحوادث الطرق 4 آلاف شخص)، فضلا عن الدمار الهائل الذي لحق بالممتلكات العامة والخاصة من دوائر حكومية ومؤسسات خدمية ومدارس ومستشفيات ومساجد وكنائس وأسواق وسيارات ومحال تجارية. وبالطبع فإن العراق افتقد من جراء ذلك كله أهم ما كان يحتاج إليه، وبعد أربعين سنة من حكم الدكتاتوريات والحروب المتلاحقة، ألا وهو الاستقرار والتنمية.
بالقدر نفسه، بل وأكبر، يتحمل المسؤولية عن بقاء القوات الأجنبية في العراق، حتى اليوم، وإلى ما بعد 18 شهرا من الآن على الأقل، نخبة الحكم التي تولت السلطة بعد انهيار نظام صدام، وعلى وجه الدقة هنا، قيادات الأحزاب الإسلامية الطائفية، الشيعية منها والسنية، المتحكمة بالعملية السياسية، بحكم هيمنتها على أغلبية مقاعد البرلمان والحكومة والوظائف العامة. فهذه القيادات انخرطت، هي وأحزابها وميليشياتها، في صراعات سياسية وعسكرية أدت إلى أعمال عنف خطيرة سقط خلالها من الضحايا والخسائر بالقدر عينه، وربما أكثر، من الضحايا والخسائر التي تسببت بها نشاطات الحلف الرباعي. ولقد هيأ هذا السلوك غير الأخلاقي وغير الوطني، مجالا أرحب لنشاطات القاعدة والبعثيين والجماعات الإرهابية الأخرى المدعومة من سورية وإيران وجماعات الإسلام السياسي المختلفة.
من المشكوك فيه الآن أن يكون الانكفاء الأميركي من المدن، هو لمصلحة الشعب العراقي. فقوى الأمن العراقية المخولة بتوفير الأمن والاستقرار، مخترقة من البعثيين والقاعدة وإيران، وموزعة الولاء بين الأحزاب الإسلامية الطائفية التي ما انفكت تتكالب على تعزيز نفوذها داخل هذه القوى.
والحقيقة، وهي حقيقة مرّة، أن القوات الأميركية شكّلت خلال السنوات الست المنصرمة ضمانة لعدم انهيار العراق انهيارا تاما.. ومع عدم جاهزية قوى الأمن العراقية لتولي المسؤولية، خصوصا بسبب ضعف البناء المهني، والولاء الوطني لها، فربما كان مبكرا الدفع في اتجاه انسحاب القوات الأميركية الآن. والعمليات الإرهابية التي تصاعدت في الأسابيع الأخيرة، ترجّح هذه الفرضية التي ستظل قائمة، مادامت العملية السياسية في العراق تحكمها قواعد المحاصصة الطائفية والحزبية لا المعايير الوطنية.
adnan.hussein@awan.com
تاريخ النشر : 2009-06-30