الصفحات الكاملة

مواضيع من نفس القسم
ابرز عناوين الاخبار
الرأي
الجمعة 2009/7/3 العدد:589
داني جوزيف الكجي
واشنطن ودمشق.. محاولات لفتح المنافذ المغلقة
الرئيس السوري بشار الأسد يسار أثناء استقباله المفوض الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشل
أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما في أكثر من مناسبة، عن نيته الصادقة لتصحيح وتطوير علاقات الولايات المتحدة مع الدول العربية والإسلامية، والتزامه تحقيق السلام «العادل والشامل» في الشرق الأوسط. استتبع هذه الزيارة وصول ثلاثة وفود أميركية الى دمشق، اثنان منها بصورة رسمية، والثالث تقدمه الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، في 11يونيو الفائت، أعلن خلالها أمام المسؤولين السوريين، أن الإدارة الأميركية الجديدة، بصدد إلغاء العقوبات التي فرضتها واشنطن على سورية العام 2004، وتعيين سفير لها في الأسابيع القليلة المقبلة.. غداة ذلك وصلت بعثة عسكرية أميركية من بغداد «للبحث في الوسائل المتوافرة لتعاون أميركي سوري في الشأن الأمني العراقي، وجاءت زيارة الموفد الأميركي جورج ميتشيل الى الشرق الأوسط لتتوج مساعي الرئيس أوباما، في مقاربته للصراع العربي-الإسرائيلي.

تحرك الحوار الأميركي-السوري يعكس رغبة البلدين في إيجاد بدايات حلول للأزمات التي تهدد مصالحهما.. سورية رأت أن تبادر واشنطن كخطوة أولى الى فك الحصار، أو أقله رفع الحظر الدولي عنها، وبما يسمح بعودة الاستثمارات الخارجية إليها، وبعدم التدخل في نظامها السياسي، وخصوصاً أن تحفظ واشنطن لدمشق دوراً متقدماً في النظام الإقليمي الجديد، وقد بدأت معالمه تتضح أكثر يوماً بعد يوم.
الإدارة الأميركية تأمل من جهتها، أن تكسب موافقة دمشق، على ما تخطط له سياسياً في المنطقة، وتحديداً بما يخص العراق بعد سحب قواتها العسكرية، والاستقرار في لبنان، ودفع عملية السلام في الشرق الأوسط، والتعاون الأمني والمخابراتي ضد المنظمات الإرهابية، خصوصاً «القاعدة». بعد الغزو الأميركي للعراق، وتدهور العلاقات السورية-الأميركية، قطعت دمشق تعاونها الأمني مع واشنطن، بعدما حقق هذا التعاون نجاحات لافتة استتبعت عملية الحادي عشر من سبتمبر2001، الأمر الذي أسهم في إحباط العديد من العمليات المعادية للقوات الأميركية في الخليج، والكشف عن العديد من الشبكات الإرهابية في أوروبا، وخصوصاً «خلية هامبورغ» المتهمة الأساس في تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك، ومبنى وزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن. وبدءاً من العام 2004، راحت دمشق تطالب واشنطن بعودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في حال أرادت الإدارة الأميركية دعم سورية ومساعدتها في التصدي لشبكات الإرهاب. وبالفعل، وبناء لطلب واشنطن، جرى في 12 يونيو الفائت، أول لقاء على هذا المستوى منذ العام 2004، جمع عدداً من المسؤولين الأمنيين والعسكريين السوريين وبعض كبار الضباط الأميركيين العاملين في العراق، أكدت فيه دمشق رفضها لأي تعاون أمني مع الإدارة الاميركية، خصوصاً في بلاد الرافدين، طالما أن هذا التعاون يفتقد الى غطاء سياسي، ليس أقله عودة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين. غير أن مصدراً ديلبوماسياً أميركياً شارك في الاجتماع، وصف المفاوضات بـ«الصريحة والإيجابية دون الغوص في التفاصيل. لكن مسؤولاً رفيع المستوى في وزارة الخارجية الأميركية، لفت الى أن واشنطن أرادت من هذا اللقاء «سماع وجهة النظر السورية بما يحقق حفظ الأمن في العراق، وبما يعني أن الرئيس أوباما وضع التعاون الأمني السوري-الأميركي على رأس اهتماماته، خصوصاً بعدما أعلن في فبراير الماضي، عن رغبته بسحب آخر جندي أميركي من العراق بنهاية العام 2010. الرئيس بشار الأسد، أعرب من جهته أن «سورية على استعداد لمساعدة الولايات المتحدة على الانسحاب»، مع تأكيده «التزام الدفاع عن وحدة العراق أرضاً وشعباً».
لبنان في الأجندتين الأميركية والسورية
لبنان لم يكن بعيداً عن المفاوضات السورية-الأميركية، خصوصاً أن العاصمة السورية، ظلت الى حد ما، «حيادية» في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وانتهت الى فوز فريق 14 آذار على المعارضة بزعامة رئيس كتلة «المستقبل» النائب سعد الحريري، الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة اللبنانية المقبلة، وما رافق هذا الفوز من رسائل سورية تفيد باستعداد دمشق لاستقبال رئيس وزراء لبنان، كائناً من كان، وهو أمر ظل محظوراً حتى فترة قصيرة، مهّد له تحسن العلاقات السورية السعودية. وتبعاً لهذه المعطيات، يبدو من الآن فصاعداً، أن واشنطن، باريس، دمشق وطهران، على قناعة تامة بضرورة الحفاظ على وضع هادئ ومستقر في لبنان، يؤدي الى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وترك منافسة سلاح «حزب الله» لطاولة المفاوضات، كما أعلن جيمي كارتر.. وفي مطلق الأحوال، جاء التقارب السوري السعودي، والاتفاق الاميركي الفرنسي، على إبقاء لبنان خارج التجاذبات الإقليمية والدولية، بعدما تحوّلت ساحته في سنوات الرئيس الأميركي الاسبق جورج بوش إلى «بقعة مثالية» للصراع وتصفية الحسابات في المنطقة.
هكذا في 13 من يونيو الفائت، أعلن المبعوث الأميركي جورج ميتشيل، بعد مشاورات معمقة مع الرئيس بشار الأسد، أن «الولايات المتحدة تسعى الى إعادة العلاقات الديبلوماسية مع دمشق ترتكز على مصالح الطرفين». وحسب مصادر ديبلوماسية أميركية، وصل ميتشيل الى العاصمة السورية لتحقيق هدفين أساسيين:
الأول أن تبادر إدارة الأسد لدعم الاستقرار والأمن في العراق بتقوية العلاقات الأمنية بين البلدين، استعداداً لانسحاب القوات الأميركية من بلاد الرافدين.
والثاني الأكثر أهمية، توفير الشروط الإيجابية لمعاودة المفاوضات العربية الإسرائيلية عموماً، والسورية الإسرائيلية خصوصاً.. وعلى هذا الصعيد، أصرّ الأسد على توضيح موقف بلاده للموفد الأميركي، وأن «مفاوضات سورية أميركية مباشرة لن تتم، قبل أن تعلن حكومة تل أبيب اعترافها الصريح والعلني ورغبتها الأكيدة بانسحابها من الجولان الى حدود الرابع من يونيو 1967.
نتنياهو وتعقيد مهمة ميتشيل
على الصعيد الفلسطيني، أكد الرئيس الأسد أن وقف الدعم السوري لـ «حماس» لن يؤدي الى تحقيق السلام بين اسرائيل وفلسطين، وحيث يستحيل أن تقوم حكومة فلسطينية شرعية بإسقاط حكومة شرعية حققت فيها «حماس» أكثرية نيابية في انتخابات شعبية ديمقراطية باعتراف واشنطن وعواصم الغرب المعنية.
وجاء خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو الأخير ليعقد أكثر فأكثر مهمة ميتشيل، وبدعم مباشر من الأحزاب اليمنية المتطرفة، أعلن هذا الأخير عن استعداده لقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح، تعترف بإسرائيل، دولة لليهود. وفي المقابل، رفض وقف المستوطنات، والتفاوض حول مصير القدس الشرقية، والاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، ما دفع دمشق سريعاً الى الرد على لسان وزير خارجيتها وليد المعلم، واصفاً الخطاب بـ«العنصري المتطرف». كذلك كشف الرئيس الاميركي الأسبق جيمي كارتر، ومن دمشق أيضاً، أن نتنياهو «أسير حلفائه اليمينيين الذين مهدوا أمامه الطريق لتولي رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وهم لا يترددون في رفض أي كلام ومفاوضات حول «القدس الموحدة عاصمة اليهود»، وقيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة.. ما يفيد بأن مبادرة أوباما للسلام العربي-الإسرائيلي لن تكون أفضل حالاً من سابقاتها، «خريطة الطريق، اتفاقات شرم الشيخ وطابا، وخصوصاً اتفاقية أوسلو، التي سمحت بالتوسع الاستيطاني اليهودي من 180 ألفا العام 1993 الى نصف مليون مستوطن العام 2009، «وضع بات يفترض تدخلاً اميركياً مباشراً، في حال أراد الرئيس أوباما أن يخترق الحواجز العنصرية والعدائية الإسرائيلية لتحقيق مبادرته للسلام العربي الإسرائيلي».
المبادرة العربية أمام خيارين
في جميع الأحوال، يستمر سلام الشرق الأوسط صعباً ومعقداً، أكان من خلال المبادرة العربية التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أم من خلال مبادرة الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي يواجه «يداً إسرائيلية حديدية» في توصيف لعدد من المحللين الغربيين.. فالصدام بدأ يظهر للعيان بين واشنطن وتل أبيب، وشيء وحيد أكيد، أن اللوبي الإسرائيلي يسهر بعناية على رعاية التحالف القائم والأكيد بين «أونكل سام» والدولة اليهودية. أمام هذه الأخطار والتهديدات والمنافذ المغلقة، بدأ الكلام أخيراً عن الإمكانيات المتاحة لتطبيق أنموذجين قد يشكلان خطوة مهمة في اتجاه السلام المنشود:
الأول، التماهي مع الأنموذج الهندي الباكستاني، الذي أنتج بعد سلسلة معارك دموية أدت الى عمليات «ترانسفير» بين الشعبين ولادة دولة باكستان. وهي نظرية سبق أن أطلقها أرييل شارون، مشدداً على أن «حرب استقلال الدولة اليهودية التي بدأت العام 1948 لم تنته بعد».
الثاني يتمثل بالنظرية التي بدأت تشق طريقها الى الأضواء، أكثر واقعية وأقل سخونة، تتوضح في أنموذج جنوب أفريقيا، يجعل من «فلسطين التاريخية» و«اسرائيل الجديدة»، دولة واحدة بنظام مدني يعادل بين جميع المواطنين، وبما يسقط بالتالي، العامل الديمغرافي، الذي غالباً ما جعلته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة «فزاعة فلسطينية». وهذا ما أخذت تدعو إليه أحزاب يسارية فلسطينية وإسرائيلية، بلسان النائب السابق عزمي بشارة، والنائب الحالي اسماعيل نعناع من حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» اللذين وجدا في اعتماد هذا الأنموذج «حلاً واقعياً»، قد يستهلك الكثير من الأقلام والتحليلات والدراسات، قبل أن يوقّع بصماته في الأرض المقدسة.
تاريخ النشر : 2009-07-03
 
 شاركنا بتعليقك 











 جاري إرسال رسالة
جاري التحميل...