الصفحات الكاملة
الرأي
السبت 2009/2/21 العدد:458
أحمد فرحات  |  قلب الكلام
طيب العيش بين الحيوانات
في هذا العالم الصعب، الأدكن والمعقد في كل شيء، إن لناحية حمّى الصراعات السياسية الساخنة والباردة، يقودها الأقوياء بمكائدهم والتفافاتهم ولاعقلانيتهم ضد الضعفاء والفقراء قليلي الحيلة والتدبر ومجال الرهانات.. وإن لناحية المنافسات الغبية على المال وتكديسه، وحرمان الآخرين منه، ولو في الحدود الدنيا، وبخاصة بعد انتهاج وتعميق أنماط اقتصادية تقليدية سابقة للإنتاج، وسابقة على الرأسمالية نفسها، أقدمت عليها العولمة، أو نمط الإنتاج الرأسمالي المتعدد الجنسيات، العابر الحدود، والذي نجح في الإجهاز على رأس المال الوطني واستبداله بمؤسسة الربحية الذاتية ومراكمتها.

في زمن كهذا يتميز بالسذاجة والأمية الفكرية والثقافية في أشحب صورها وأبأسها على الإطلاق.. وتغليب عوامل حب السلطة، أو القوة، وجعله معياراً مغرياً بألوان كثيرة من التنكر الاعتباطي الكيفي، الكفيل بدوره بأن يخنق كل الأسئلة الجديدة، والعواطف العميقة في الإنسان، ويبلّده أكثر في بلادة الانغلاق على الذات، ويحيله استطراداً، وبقوة الشقاء والضغط، الى ضحية للجحود والجفوة والخيانة وهوس الاضطهاد الفردي والجماعي.

في زمن بات فيه المثقف صفراً.. هكذا باختياره النظري والأخلاقي والسياسي، وبات حاملاً مباشرا للخواء واللاتأمل بما فيه، وأمامه.. وغير واع بذاته ولا بغيره.. في زمن كهذا، لا نتوقع منه أن يحسن الظن بنا أكثر مما نحسن الظن به، لم يعد لنا من خيار سوى الهرب الإيجابي في اتجاه الجانب الآخر من الحياة الطبيعية، البعيد كل البعد عن جحيم البشر، والمؤانس كل الأنس لرفقة الحيوان، والعيش في وسط عالمه المريح، المطمئن، عملاً بنصيحة الشاعر الأميركي الكبير «وولت ويتمان» الذي قال ذات يوم:

«كم تراودني نفسي أن أعيش مع الحيوانات، فهي

رابطة الجأش مطمئنة البال

وإني لأقف وأطيل النظر إليها

فلا أراها قلقة حزينة على حالتها

ولا تستيقظ في الظلام وتنوح على خطاياها

ولا تمرضني بمناقشة واجبها نحو الرب

وليس بينها ساخط، ولا من ابتلي بجنون اقتناء الأشياء

ولا أحد من بينها يركع لأحد، ولا لجنسه

الذي عاش منذ ألوف السنين،

وليس من بينها محترم ولا شقي في طول الأرض وعرضها».

وإذا تكلمت بعمومية تفصيلية أكثر، قلت إن عالم الحيوان يبعدني ما أمكن عن حياة الهم والاهتياج والمنافسة الغبية والضيق والتبرم والقتل، قتل الآخر.. ويشعرني بأنني مواطن الكون، وغير مضطرب بالتفكير في من هم حولي، ومن سيأتون بعدي من كائنات، بما فيها البشر، وأحسب أن في مثل هذا الاتحاد الغريزي العميق مع مجرى الحياة، يكمن سلام الحياة الحقيقية، البعيدة عن كل الحالات المقلقة والمقلقلة.. ولست تأسى بعدها على اعتزال عالمك البشري الصعب الأدكن، والذي يفرض عليك معادلة واحدة ووحيدة ربما، أنت بالتأكيد ترفضها، ومفادها: إن عليك مواجهة هذه الحياة البشرية الماكرة بمكر يضارع مكرها.

تاريخ النشر : 2009-02-21
 
 شاركنا بتعليقك 











 جاري إرسال رسالة
جاري التحميل...