د . ابتهال عبد العزيز الخطيب
مصيبتنا العربية أننا نمجد قياداتنا أياً كان توجهها أو تصرفاتها، والمصيبة تتضاعف عندما يكون للقيادة صبغة دينية، حيث تأخذ صفة التقديس الذي يجعل من الناقد خارجاً عن الملّة وآثماً عظيماً. تقرير إلياهو فينوغراد لم يتعرض للجرائم التي ارتكبها النظام الاسرائيلي في لبنان، لم يحاسب الجيش على القتل أو التخريب المروع للبنى التحتية للبنان، وهذا متوقع من تقريرعسكري لكيان قائم من أساسه على تمييز ديني بغيض، يمارس منذ أن قامت قائمته التطهير العرقي والديني الواضحين. ولكن ما ميز التقرير هو محاسبته الجادة للقادة الأساسيين في الجيش وصولاً الى رئيس الوزراء الاسرائيلي. الاسرائيليون لم يتبنوا نظرية “الستر” والسكوت عن الأخطاء، مثلما يحدث عندنا، فكلما حاول أحدنا نقد أوضاعنا الراهنة قيل لنا “بطلوا تنشرون غسيلنا”، ولكن ها هو الغسيل الإسرائيلي، وبكل قذارته ينشر على الملأ، والمستفيد هو اسرائيل بكل تأكيد على الرغم من الفرحة والتشفي العربيين الناتجين عن التقرير. فعلى الرغم من أن التقرير فضح خسارة الجيش خصوصاً على المستوى الأرضي، وكشف أخطاء أركان الجيش المهولة وسوء تقديراته التي جرّت إسرائيل الى حرب أضعفت من مظهرها العسكري العالمي، الا أن التقرير راية حمراء للقادم من الأيام والحروب، التقرير يحاسب “الكباريّة”، يقرص أذن الحكومة من أجل مصلحة إسرائيل العليا. فبعد الحرب مباشرة، بدأت إسرائيل حساباً عسيراً مع أركانها وتهديدات واضحة لمراكزهم السياسية مزودة إياهم بتعليمات لما قد سيأتي، راسمة خطة واضحة للمعارك القادمة التي يبدو واضحاً أن هناك مخططات سافلة لمباشرتها قريباً. ونحن، ماذا فعلنا؟ احتفل حزب الله “بالنصر الإلهي” في شوارع الضاحية الجنوبية وسط الخرائب والموت والدمار، وعندما حاولنا أن ننقد الوضع، أن نحاسب المقصّر أو نلفت نظر المهمل، ماذا حصل؟ أتحدث عن تجربة شخصية، فبعد عدد من المقالات حول الموضوع أحمّل فيها حزب الله مسؤولية قرارات رأيتها غير مسؤولة وجرّت البلد الى ويلات الحروب، توالت علي الاتصالات والايميلات التي تتهمني بالخروج عن الملة والخيانة و“اليهودية” وكأن الديانة بذاتها أصبحت سبّة وليست الممارسة الاسرائيلية الارهابية التي تتحمل المسؤولية، فعندنا هنا خلط ساذج بين الدين اليهودي وبين النظام السياسي الإسرائيلي. المضحك في الموضوع أن الغضب العارم الذي جاءني كان في الأساس نتيجة نقدي لحزب يقوم على مبدأ ديني وكأن الحزب وأمينه العام أصبحا فوق النقد بسبب الصبغة الإسلامية. قلت في وقتها، إن كان السيد حسن نصرالله ليس محل نقد بسبب مقامه الديني، إذن فليبقَ بعيداً عن السياسة حفاظاً على مقامه وعلى الدين الإسلامي من أن يدخل في دائرة النقد، ولكن إن أراد أن يكون قائداً سياسياً فسيكون مادة للنقد شئنا أم أبينا. ولكن...اليوم، تحاسب إسرائيل رئيس وزرائها وأركان جيشها، تخبرهم بأخطائهم، حماقاتهم، وهفواتهم. وكما ذكرت سابقاً فإن التقرير لم يذكر جرائم إسرائيل في لبنان، لأن هدفه مصلحة اسرائيل وليس مصلحة جيرانها، وهذا هو بيت القصيد. أين فينوغرادنا نحن؟ أين محاسبتنا للقيادات السياسية؟ لا يوجد، يوجد فقط “نصر إلهي” علينا جميعاً، ورأسنا فوق رقابنا، أن نحتفل به والا نكون من الخائنين. حان الوقت لكي نحاسب سياسيينا، بل قد يكون فات الوقت على ذلك، اليوم نحن ننغمس في الهزيمة وتبعاتها، اليوم ينزف لبنان بينما يصعد السياسيون على أرزته، كل يحاول غرس علمه في صدرها، اليوم علينا أن نحتفل قسرا،ً كلٌّ يرفع علماً مختلفاً يحجب رؤيته تماماً، بينما يحاسب الكيان الإسرائيلي سياسييه وقادته في النور، ويعدّ العدة، وياويلنا من القادم!.
كاتبة كويتية
ebtehalahmad@hotmail.com
تاريخ النشر :
2008-02-04