لتتعمق أكثر هذي المصالحات العربية
يكاد المراقب العربي لا يصدق ما يجري حوله من مصالحات عربية/ عربية، واضح أنها جادة جداً، ومصممة على تفعيل مواقفها، وحسم خياراتها، فهاهم الفلسطينيون يلتئمون في القاهرة ويتهيؤون لإعلان حكومة وحدة وطنية تنهي ثنائيتهم البغيضة: غزة/ الضفة... أو فتح/ حماس الخ..
وها هي العلاقات السورية/ السعودية تعود إلى الانتعاش من جديد، متجاوزة كل سلبيات الماضي، ومترجمة دعوات الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى ميلاد زمن سياسي تضامني عربي جديد، توّجته قمة الانفراجات الكبرى الأخيرة في الكويت.. وبعد زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى الرياض قبل أكثر من اسبوع، التي سبقتها زيارة الأمير مقرن بن عبدالعزيز، مسؤول المخابرات العامة في السعودية، فقد تم الاتفاق على لقاء قمة ثنائي يجمع العاهل السعودي بالرئيس بشار الأسد قبيل انعقاد القمة العربية الدورية في الدوحة في الأسبوع الأخير من مارس الجاري.
وها هي القاهرة من جهتها تشيد بالموقف السوري المساعد على قيام الصلح الفلسطيني/ الفلسطيني الذي رعته مصر بنجاح واقتدار، والمتوقع أن يكون انعكاساً هو الآخر للتوافق العربي - العربي، ولمّ الشمل بين الأقطار المنقسمة لمواجهة التحدي الكبير: قيام حكومة إسرائيلية غاية في التطرف والنكد، ورفض قيام دولة فلسطينية، وعودة أهل الشتات الفلسطيني إلى ديارهم، فضلاً عن رفضها قيام ثنائية عاصماتية فلسطينية - إسرائيلية في القدس، والإصرار على إعلان المدينة المقدسة عاصمة أبدية لإسرائيل وحدها، والمضي أيضاً في سياسة المماطلة والتسويف فيما يتعلق بالانسحاب من باقي الأراضي العربية المحتلة بعد العام،1967 وخصوصاً هضبة الجولان ومزارع شبعا، ورفض المبادرة العربية للسلام، التي كانت تقدمت بها قمة بيروت العربية في العام 2002.
كما تعمل السياسة الإسرائيلية الجديدة، والأكثر تطرفاً معلناً من ذي قبل، على التمهيد لسيناريو ترانسفير عرب 1948 باعتبارهم قنبلة ديمغرافية تهدد أمن إسرائيل ومستقبلها.. والبدء العملي بتهجيرهم بعد استكمال فصل التهويد التدريجي للقدس الشرقية.
إذن، التحديات كبيرة جداً ومصيرية للغاية، والخطر الذي يواجهه العرب متمثلا في الصهيونية ومشاريعها اليوم أكبر بكثير من خطر الاستعمار المباشر السابق، أو اللاحق بأشكال مختلفة. إنه خطر تفكيك المجتمعات العربية من داخل، وضرب هويتها، وإذكاء الحروب والفتن الداخلية المفتوحة فيها، التي من شأنها في المحصلة أن تذوّب الشخصية العربية/ الإسلامية وتسحق كيانها التاريخي والحضاري إلى الأبد.
الإسرائيليون دقوا جرس الإنذار الأحمر برفض كل شيء، والمضي في سياسة قهر العرب وإذلالهم.. وما على العرب في المقابل إلا أن يغيّروا المعادلة أيضاً ويقلبوها في وجه الإسرائيليين وأعوانهم.. وبالتأكيد فإن أسلحة العرب قوية جداً أيضاً ولا يستهان بها وبقي عليهم أن يستخدموها فقط ويطيحوا بشعار «السلام خيار استراتيجي» الذي كانت أطاحته إسرائيل أصلا من زمان.. بعدما كانت استخدمته للتكتيك والمماطلة لتمرير أهدافها التوسعية على الأرض.
وعلى العرب ألا ينسوا أن فلسطين لاتزال هي المعضلة الرئيسة في المنطقة، وأنها هي كبرى قضاياهم التي لا ينفد الجهد في العمل لها مهما اتسع وتشعب واستمر جيلاً
بعد جيل.
وإذا لم يكن من اليسير القضاء على التناقضات العربية كافة في هذه المرحلة، فلا أقل من العمل الدائب بالوقوف في وجهها وتجنبها، والتفرغ للخطر الأكبر والناشب أظفاره بقوة علينا جميعاً: إسرائيل وخصوصاً بطبعتها الليبرمانية الجديدة.
تاريخ النشر : 2009-03-04