أسامة الرنتيسي | أول السطر
«تم صنع التاريخ في الكويت»
انتهت الانتخابات وجاءت بنتائج إيجابية فاجأت حتى أكبر المتفائلين، ولم تجد الصاندي تايمز وصفا آخر تقوله إلا: «تم صنع التاريخ في الكويت».
نتائج إيجابية على كل الصعد، فوز أربع نساء نوعيات، وللحقيقة والتاريخ خمس، فالجميلة ذكرى الرشيدي القادمة من عبق التاريخ وعمق الجغرافيا وفتنة الصحراء، التي رفضت أن تنقل دائرة ترشحها إلى المناطق الأقل قبلية حصلت على 6635 صوتا بما يمثل 7 % من أصوات ناخبي الدائرة الرابعة، متجاوزة في النتيجة أسماء برلمانية عريقة حصلت على أصوات أقل منها بكثير.
النتائج الإيجابية عديدة، وقد تم ذكرها خلال اليومين الماضيين كثيرا، في الصحافة المحلية والفضائيات، وأيضا في الإعلام العربي والغربي، ولا داعي لإعادة التذكير بها، بدءا من تراجع نواب التأزيم إلى الخلف، ومعاقبة المرشحين المتطرفين والذين يبحثون عن مصالحهم الشخصية، وكذلك توجيه الصفعة للقوى الظلامية التي تشد المجتمع إلى الخلف، بالتحريم والفتاوى وتعطيل طاقات نصف المجتمع.
المزاج العام في الكويت تظهر عليه الراحة والتصالح مع الذات، ورضى القيادة السياسية ظهر منذ اللحظة الأولى، وفي برقيات التهنئة التي وجهت للفائزين، وحلقات التهاني التي لا تتوقف في الديوانيات والمنازل، والكلام الطيب الذي يخرج من أفواه الجميع، يعكس حلاوة الشعور بالانتصار وطرد الإحباط واليأس من قلوب الناس.
هذا المزاج الرائق لا يجوز أن يعكره البعض بحيث يفرض أيديولوجيته على فرح الناس، فالقطار نحو التعاون ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يزيّت محركاته منذ لحظة إعلان النتائج، والأمل بغد أفضل، وتنمية حقيقية، وإعادة الكويت «درة الخليج» يسيطر على أحاديث الناس وأحلامهم.
ليست قضية ولن تكون مهما حاول البعض وضعها على سلم الأولويات، فحجاب النائبتين، قضية شخصية تعود لهما، مثلما كانت قضية حجاب الوزيرتين هامشية لم يلتفت إليها أحد، وإن حاول البعض الصراخ فيها، لذا فالنصيحة لمن يسمع النصيحة ألا يضع أي نائب، سلفياً كان أو غيره، هذه القضية في وجهنا، لأنه لن يلتفت إليها أحد، لا بل ستواجه بالاستنكار والرفض. وبيان هايف بالأمس يجب ألا يتكرر.
ما حصل في الكويت شيء كبير وكبير جدا، ورسالة ليست محلية حول مزاج التغيير المطلوب، بل رسالة إلى العالم، فالانتخابات ضربت عدة عصافير بحجر واحد.
وأدت الطائفية التي تطل برأسها بكل عفن في أكثر من دولة، فلم تمنح معصومة المبارك الأصوات لأنها شيعية، بل لأنها كويتية، ولم تتقدم أسيل العوضي لأنها سنية، بل لأنها كفاءة ومناضلة حقيقية في الدفاع عن قضايا المرأة أولا والمجتمع ثانيا، وكذلك رولا دشتي التي لم تترك تظاهرة احتجاجية إلا وشاركت فيها للمطالبة بحقوق المرأة السياسية، حتى وصلت إلى قاعة عبدالله السالم مناضلة وخبيرة اقتصادية، كما لم تتأخر سلوى الجسار في توصيل رسالة التعليم العالي لطلبتها في جامعة الكويت.
رسخت أن الديمقراطية هي الترياق لكل مشاكل مجتمعاتنا، ليست الديمقراطية المستوردة من الغرب وعلى المقاسات الأميركية، بل الديمقراطية التي يفهمها ابن الجهراء والصليبخات والسالمية، ديمقراطية تطرد المأزومين والمتأزمين، وتقذفهم إلى آخر عربات القطار، الديمقراطية التي أعطت للمرأة حقوقها من دون اللجوء إلى نظام الكوتا، الديمقراطية التي دفعت الإسلاميين إلى الخلف، بعد أداء مرتبك وتغليب المصالح الخاصة، ومنحت الليبراليين فرصة لإثبات الذات، وأعطت فرصة للتيارات الإصلاحية للتقدم إلى الأمام.
ما حدث في الكويت مفاجأة من النوع الجميل، عسى أن تمتد إلى المجتمعات العربية الأخرى، التي لا يعرف بعضها معنى الاقتراع، ولم يقف مواطنوها أمام صندوق انتخاب، حتى انتخابات مجلس الطلبة في المدارس والجامعات، والبعض الآخر لا يعرف من صناديق الاقتراع سوى تزويرها.
osama.rantesi@awan.com
تاريخ النشر : 2009-05-20