أسامة الرنتيسي | أول السطر
صحيح أن المعارضة اللبنانية منيت بهزيمة اعترفت بها فورا على طريقة الرجل الجنتلمان، ولكن لغتها الفوقية الخشبية التي لا تحترم الدولة اللبنانية لاتزال تسيطر على عقلية قياداتها.
أمس، وقبل أن تهمد نيران المعركة الانتخابية، ويعود اللبنانيون ومحبوهم إلى فراشهم ليخلدوا إلى النوم بعد يوم انتخابي طويل، وليلة تلفزيونية شاقة بانتظار النتائج، جدد حزب الله تهديداته، من خلال رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» البرلمانية التابعة لحزب الله النائب محمد رعد، إلى الأكثرية النيابية التي أعادتها الانتخابات مرة أخرى، بأن عليها أن «تتعهد بعدم المس بسلاح المقاومة، وأن تؤكد أن إسرائيل هي عدو، وأن المقاومة غير قابلة للتفاوض، وأن سلاحها شرعي».
هذه اللغة التخوينية أخطر ما يمس النسيج الوطني اللبناني، فلا أحد يملك شهادات الوطنية لكي يوزعها يمينا وشمالا، ولا أحد في لبنان، حتى جعجع ذاته يستطيع أن يقول إن إسرائيل ليست عدوا.
لنتخلص من هذه المعزوفات التي تطرب الناس، لكنها لا تطعمهم من جوع، ولا تؤمّنهم من خوف.
سلاح المقاومة ليس بنادق ورشاشات وصواريخ ودبابات، ولا أنفاقاً وملثمين، ولا خطابات من داخل الكهوف ومن وراء الشاشات العملاقة، سلاح المقاومة بشر يحمله، ونساء تنتظر أزواجها المقاتلين، وأطفال عضهم الخوف والجوع واللوعة.
في تموز 2006 قاتل سلاح المقاومة إسرائيل وأوجعها بالصواريخ، هذا صحيح، لكن وجع اللبنانيين وجرحهم ضمده اللبنانيون أنفسهم، فقد احتمى أطفال المقاتلين ونساؤهم بإخوانهم اللبنانيين في بيروت وضواحيها التي يشكك رعد في وطنيتهم، كما تقاسموا البيوت معهم، وأسكنوهم بين ظهرانيهم عندما غادروا الجنوب والضاحية الجنوبية التي لاتزال بعض بناياتها مدمرة.
على اللبنانيين جميعا ألا يخدشوا وجه الديمقراطية التي عززوها بالأمس، وأن يحافظوا على شعب الأرز العاشق للحياة، والذي أحرقته نيران الحرب الأهلية عقودا، وأن يحتكموا إلى الحوار المتمدن.
على ماكيناتهم الدعائية أن تتعقّل قليلا، وعلى حكماء لبنان أن يحملوا السوط في وجه كل المراهقين، الذين أتعبونا بصوتهم العالي، وأن يلتفتوا إلى أنفسهم أولا، فلا دعم واشنطن ولا غيرها من العواصم باق إلى الأبد، ولا حضن طهران سيبقى ساخنا إلى ما لا نهاية.
أمس خسرت المعارضة الانتخابات، لكنها بقيت في المعارضة. وفاز فريق 14 آذار وبقيت الأكثرية النيابية في يده. ولبنان الآن يقف على مفترق بين اتجاهين: إما بث الروح من جديد في اتفاق الدوحة، وإما العودة إلى ما قبل 7 أيار والذهاب نحو صدام لا أحد يعرف كيف سيكون.
أمس نامت دمشق وطهران وغزة باكية بعد أن تلقت العزاء في خسارتها بمعركة لبنان الانتخابية، كما نام محور الاعتدال العربي في الرياض والقاهرة وعمان، إلى جانب دول خليجية أخرى، مزهوا من فوز أصدقائه في لبنان، هذا كله تغميس خارج الصحن اللبناني، ولن يزيل الخوف من قلوبهم.
المنطقة كلها أمام لحظة تاريخية وافتراقية، حبلى بالمفاجآت، وتقف على فوهة بركان متحرك ومتغير. فإما أن يمتثل حكماؤها إلى معطيات التغيير في العالم، وإما أن يتجاوزها القطار، وفي النهاية العاقبة للمتخلفين.
osama.rantesi@awan.com
تاريخ النشر : 2009-06-09