أسامة الرنتيسي | أول السطر
خطاب الكذب والتلفيق الاستفزازي
لم تفارق الابتسامة والأناقة والشعور بالارتياح وجه الرئيس الأميركي عندما خاطب العالم وبالذات الإسلامي من القاهرة، وقال كلاما مريحا ومفيدا ومركّزا، ثبت أنه تعب عليه عدة أشهر، وجاء منسجما مع خطاباته قبل أن يصبح رئيسا شرعيا، وبنتيجة كاسحة.
استجاب له فورا نتنياهو، وردّ عليه بخطاب كانت سحنته أول من أمس مختلفة عن سحنة أوباما، كان مشدودا ولا يبتسم، لكنه أظهر بوضوح رسالته اليمينية المتطرفة، وأجندته السياسية.
قدّم هدية قيّمة إلى المتطرفين العرب، وإلى الفلسطينيين منهم على وجه الخصوص، عندما وضع بحسب أيديولوجيته العنصرية المتطرفة، ومنظوره للسلام والتعايش، وأولويات حكومته في المرحلة المقبلة، السلام في المرتبة الثالثة؛ بعد التهديد الإيراني، والأزمة الاقتصادية، وطالب الدول العربية بالتطبيع الفوري، واستثمار أموالهم في مشاريع سياحية واقتصادية في إسرائيل، لخلق آلاف الوظائف للإسرائيليين.. وبعض العرب.
هكذا، وبصيغة ليست مفاجئة، نسف عملية السلام، وأظهر أن حكومته معادية لحقوق الشعب الفلسطيني، وعنصرية تجاه الفلسطينيين في أراضي الـ48، من خلال المطالبة بالاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة الإسرائيلية.
وأما سقف المشروع السياسي الذي طرحه في خطابه، وسمّاه دولة فلسطينية، فهو في جوهره حكم ذاتي لسكان الضفة والقطاع من دون القدس، وبلا سيادة فعلية على الأرض، مع سيطرة إسرائيل على المياه والأجواء، ومواصلة الاستيطان، وشطب حق العودة للاجئين.
وحتى يكشف عن جوهره المتطرف، أدار الظهر تماما لمبادرة السلام العربية، ولخطاب أوباما في القاهرة، وتجاهل بالكامل قرارات الشرعية الدولية، معتديا على حقوق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والعودة والدولة المستقلة ذات السيادة الكاملة بحدود الرابع من حزيران للعام 1967.
المسؤولون في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا رحّبوا بخطاب نتنياهو، وهم أحرار في ذلك، لكن شعور الغضب والتحفز والقهر والظلم وقلة الحيلة.. وغيرها من الأحاسيس الحادة، هي ما يشعر به أي فلسطيني أو عربي وهو يستمع لكلمات نتنياهو حول رؤيته للسلام في المنطقة، حيث لم يترك لأكثر الناس مرونة خياراً آخر غير رفض كل ما قاله جملةً وتفصيلاً.
زعم أن «فلسطين هي وطن اليهود»، وهذه ليست جديدة، لكن الجديد هو اعتبار الشعب الفلسطيني أمراً طارئاً وجده نتنياهو في حدود دولته التاريخية، وأنه مجبر على اعتبار أن هؤلاء الفلسطينيين بشر من حقهم حكم أنفسهم والاحتفاظ برموزهم، في ظل سيطرة كاملة من جانب إسرائيل على كل شيء، ما عدا أكلهم وشربهم وشؤونهم الإدارية.
يطلب اعترافاً من الفلسطينيين بيهودية دولته (كررها 10 مرات) كشرط مسبق للمنحة الكريمة التي يعطيها لهم، وهي عدة قطع من الأرض المحتلة منذ العام 1967، ثمّ ليسمِّها الفلسطينيون دولة، ويرفعوا عليها علماً. كما أنه يريد نزع سلاح هذه الدولة التي لم يأت على ذكرها في سياق تجاهله الإقرار بحل الدولتين حسب خريطة الطريق المجحفة أصلاً بحقوق الفلسطينيين.
نتنياهو أعلن القدس عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل، وهي خارج المفاوضات، وأعلن اللاجئين قضية إنسانية تضغط على ضميره، لذلك يجد حلها خارح حدود إسرائيل.. وهي أيضاً خارج المفاوضات.
نبرة الكذب والتلفيق الاستفزازي هي ما ميز خطاب نتنياهو، الذي جاء في الذكرى الثانية للانقسام الفلسطيني. ولكن يبقى السؤال الأهم؛ وهو حول الرد الفلسطيني والعربي، وليس الرد الأميركي على مثل هذا الخطاب.
الوضع المخزي فلسطينيا لم يعد مقبولا على الإطلاق، والانقسام والتطرف فيه هو ما شجّع نتنياهو على التغول في شروطه التعجيزية.
لم يقسّم نتنياهو العرب هذه المرة إلى متطرفين ومعتدلين، بل جمعهم في سلة واحدة، ودعاهم إلى الحوار في دمشق أو بيروت أو الرياض.
فهل نستجيب بموقف واحد وردّ واحد على خطاب التطرف؟
هو خطب وقال ما في جعبته، أما نحن فماذا نقول!
osama.rantesi@awan.com
تاريخ النشر : 2009-06-16