أسامة الرنتيسي | أول السطر
هل سمعتم بقصة الأعرابي الذي أضاع حماره، فهام على وجهه باحثا عنه، وبعد أيام من التعب والضنك وجده، ففرح جدا وأقام حفلة سمر دعا إليها الأهل والأصدقاء لمشاركته فرحته بعودة حماره.
صاحبنا، نسي أنه لم يكسب شيئا جديدا، سوى عودة الحمار الذي يملكه إلى حظيرته.
وقصة الاستيطان الإسرائيلي تشبه إلى حد بعيد قصة الأعرابي والحمار، فإسرائيل، وعلى لسان وزير الدفاع إيهود باراك، اقترحت تجميدا محدودا للاستيطان مدته ثلاثة أشهر، في استجابة للضغوط الأميركية المتزايدة، مقابل إحياء محادثات السلام مع الفلسطينيين، أو للدقة انتظارا لتنازلات جديدة.
حتى إن التجميد المحتمل الذي يبشرنا به باراك لن ينطبق على المستوطنات الواقعة في القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل وضمتها العام 1967، والتي يطالب الفلسطينيون بأن تكون عاصمة دولتهم المستقبلية.
وكذلك فإن التجميد لن يشمل نحو 2000 مبنى في الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، وهي التي أصبحت الآن في مرحلة متطورة من البناء، وخاصة منها المباني العامة.
هذه الخطوة الإسرائيلية تحاول تل أبيب تمريرها على اعتبار أنها خطوة لمنع تصادم سياسي مع الولايات المتحدة الأميركية، فواشنطن تصرّ على وقف الاستيطان (كل أشكال الاستيطان)، تمهيدا لإعادة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات.
سياسيا، لا بد من تعظيم الموقف الأميركي المعارض لمواصلة الاستيطان، واعتباره خطوة إلى الأمام، وأنه يلتقي مع الموقف الفلسطيني، والعربي عموما، الداعي إلى الضغط على إسرائيل لتوقف أعمالها الاستيطانية في الضفة الفلسطينية، خاصة أنها دخلت مرحلة شديدة الخطورة، تهدد الضفة بالتقسيم إلى ثلاثة كانتونات، وتحويل الكانتون الواحد إلى مجموعة من الجزر المتناثرة، يفصل بينها تجمعات استيطانية إسرائيلية مرشحة، وفقا للمشاريع والخطط المعروفة، للمزيد من التوسع على حساب الوجود الفلسطيني في الضفة.
لكن علينا الحذر في درجة الحماسة للموقف الأميركي، والمراهنة على الخلاف مع تل أبيب، لأننا أمام احتمالات، ولسنا أمام احتمال واحد، هو بالضرورة الصدام الأميركي - الإسرائيلي. وقد علمتنا التجارب أن بإمكان هذين الطرفين الوصول إلى موقف وسط يتجاوزان فيه خلافاتهما، بحيث تتعزز نقاط التلاقي والتطابق، وتتراجع نقاط التباين والخلافات. ولا نستبعد، أن يتوصل الطرفان إلى حل وسط للاستيطان، تتعهد بموجبه إسرائيل بما يرضي واشنطن، وتتعهد بموجبه واشنطن بما لا يحشر إسرائيل وحكومتها، وبحيث يتواصل الاستيطان تحت مسميات أخرى. عندها تصبح الكرة في الملعب الفلسطيني - العربي.
على الفلسطينيين قبل ابتلاع الطعم أن يتمسكوا بآلية معينة، ذات طابع دولي، تضمن لهم مراقبة الأنشطة الاستيطانية في الضفة الفلسطينية، وتضمن لهم الالتزام الإسرائيلي الكامل، والذهاب إلى طاولة المفاوضات بمواقف جديدة ولغة هي الأخرى جديدة.
على الفلسطينيين أن يشترطوا سقفا زمنيا للمفاوضات، تنتهي عنده، بحيث لا تتحول المفاوضات إلى عملية مفتوحة بلا قيد، وعند انتهاء الفترة الزمنية يصبح الطرف الفلسطيني في حِل من أي التزامات، بما في ذلك حقه في إعلان قيام الدولة وسط سيادتها على كل شبر من أرضها، واعتبار الوجود الإسرائيلي (قوات واستيطانا) احتلالا غير مشروع، من واجب المجتمع الدولي التدخل لإزالته، ومن حق الشعب الفلسطيني مقاومته ليرحل.
وعلى العرب عدم التعامل مع وقف الاستيطان وكأنه تنازل إسرائيلي، يفترض تقديم تنازل عربي مقابله، مع ضرورة تأكيد عدم جواز تعديل مبادرة السلام العربية، وتأكيد أن التطبيع مع إسرائيل ليس قرارا سياديا منفردا لكل دولة عربية على حدة، بل هو موقف عربي موحد له شروطه.
osama.rantesi@awan.com
تاريخ النشر : 2009-06-29