محمد مساعد الدوسري | غربال
mohammad.aldosri@awan.com
سقطت النظرية الداروينية.. وفتح لا تزال تعاند
خرجت علينا قناة الجزيرة يوم أول من أمس بخبر «بايت»، على الأقل بالنسبة لي، وهو تقديم علماء أميركيين دليلا جديدا على أن نظرية داروين في النشوء والترقّي كانت خطأ، وأن البشر لم يتطوروا من أصلهم القرد، وهو ما يبطل النظرية الداروينية القائمة على فكرة النشوء والترقّي التي جاء بها تشارلز داروين في كتابه أصل الأنواع.
النظرية الداروينية، باعتقادي المتواضع، هي أكبر اختبار لغباء البشرية منذ نشأتها، رجل يأتي من بعيد ليقول إننا من أصل حيواني، أي أننا حيوانات، وجدُّنا الأكبر كان قرداً! ومع ذلك وجد من يهلل له ويمتدح نظريته الفذة، مع استغلال هذه الفكرة للهجوم على الديانات ومعتقدات الأمم والشعوب، ليبدأ بعدها البحث الطويل والمضني عن تفسير جديد لقيمة وجود الإنسان على الأرض، وتأتي العقليات العبقرية بنظريات الشيوعية والوجودية واللاوجودية، وكل كلمة تنتهي بقافية الـ(يّة)!!
هذه السذاجة في العقول البشرية لا يمكن تصديقها، أو أنها ليست بسذاجة، بل هي محاولة تصديق أي شيء آخر غير الواقع، إما لترف فكري، وإما ليأس أو محاولة من البعض في إبقاء أمور تسير في صالحهم، فهم كالموت، تتعدد أسبابه إلا أنه يظل شيئاً واحداً لا يمكن نكرانه أو تغييره.
هذه النظرية تجد رواجاً هائلاً لدى الإخوة المناضلين في الحكومة الفلسطينية، جناح فتح أو جناح الضفة الغربية، (فالتسميات أصبحت كثيرة بعدد الشهداء الفلسطينيين في كفاحهم العظيم في وجه الاحتلال الإسرائيلي)، الذين حثوا أول من أمس المجموعة العربية والإسلامية على طلب تأجيل تصويت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على إحالة تقرير القاضي ريتشارد غولدستون الخاص بالحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة إلى مجلس الأمن لاتخاذ القرار بهذا الشأن، وتم تأجيل التصويت فعلا إلى الدورة المقبلة التي تبدأ في مارس المقبل!!
والتقرير، لمن لا يعرف قيمته، يوجّه ضربة موجعة لإسرائيل التي حاولت بكل ما تملك من قوة وعلاقات ونفوذ أن تمنع تمريره، فهو يتحدث عن انتهاك الجيش الإسرائيلي للقانون الإنساني الدولي وارتكاب جرائم حرب أثناء عدوانها على قطاع غزة، ما يجعل قادتهم أمام خيار تهديدهم بالمحاكمة من قبل محكمة جرائم الحرب الدولية.
قرار التأجيل الذي اتخذ بطلب من السلطة الفلسطينية، أصبح بقدرة قادر شعلة من اللهب تتقاذفها الأيدي الفتحاوية في السلطة.. فتسريبات تتحدث عن غضب ينتاب الرئيس محمود عباس من هذا القرار، معلناً تبرؤه منه، وأخرى تقول إن القرار جاء بعد تهديدات لا طاقة للسلطة الفلسطينية بها من قبل الأميركان، وأخرى تحمّل رئيس الحكومة سلام فياض ما جرى، ناهيك عن الكلام الفارغ الذي أدلى به المراقب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم خريشة، والذي جاء فيه «إن الكثير من الدول أكدت حاجتها إلى مزيد من الوقت لدراسة تقرير غولدستون، المكوّن من 600 صفحة، ويضم عشرات التوصيات والاستخلاصات، وإن الفلسطينيين بدورهم يفضلون أن يحصل القرار على إجماع المجلس، حتى تنبثق عنه قرارات مهمة تنصف حق الفلسطينيين، ولذلك فضلوا منح المزيد من الوقت للدول لدراسة التقرير ومناقشته في مارس القادم»!!
مركزية حركة فتح، من جانبها، اعتقدت أنه يمكن لها التعامل مع المجاميع البشرية، في داخل فلسطين والخارج، على أنهم أطفال، حيث أعلنت أسفها الشديد للتراجع الذي حدث بتأجيل اتخاذ الإجراء حول توصيات تقرير غولدستون، وكأن مركزية فتح لم يتم انتخابها في مؤتمر بيت لحم الأخير، والذي كان بإخراج الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الألف إلى الياء، أي أن ما يصدر عن الرئاسة وممثلها في الأمم المتحدة، أمر هُم على دراية به وبشكل لا يمكن إنكاره يا عاااااااااااااااالم.
سقطت النظرية الداروينية، وسقطت النظرية الأخرى التي تقول إن الاستسلام والانبطاح الذي تمارسه فتح في السنوات القليلة الماضية سوف يحقق دولة فلسطينية، بعيداً عن أدوات القوة لإجبار إسرائيل على التفكير بحجم وفداحة قراراتها، إن هي استمرت في عدوانها واحتلالها للأراضي الفلسطينية.
أيها الإخوة المناضلون في فتح أينما كنتم.. لا تبيعونا الوهم بأنكم ستحققون الدولة بالاستسلام والانكسار والهوان، وإن كنتم وعيتم الدرس، فابتعدوا عن سدة الحكم واتركوا غيركم ليقود النضال الفلسطيني، أو فلترجعوا إلى عقولكم ولتحترموا عقولنا التي تقول لنا إن نظريات القردة والهوان متشابهة.
mohammad.aldosri@awan.com
تاريخ النشر : 2009-10-04