Published on صحيفة أوان (http://www.awan.com)
تصادمات غامضة في "أوقات برية"

الخميس, 24 يوليو 2008
عبد الرحمن حلاق

"أوقات برية " ثالثة الأعمال الروائية للكاتب غسان كامل ونوس ، بعد ثماني مجموعات قصصية ومجموعة شعرية واحدة ، حاول الكاتب فيها أن يسجل موقفاً رؤيوياً فكرياً واضحاً تجاه الحياة وتجاه الواقع ، ولذلك نجحت الرواية ـ في المقام الأول ـ في أن تجعل من المفاهيم والأفكار بطلة رئيسة للنص ككل ، وهذا ما أدخل الأحداث في معملين منفصلين للتحليل ، حيث تم تحليل الأحداث من الداخل عبر السارد الذي جاء مساوياً للشخصية الرئيسة ، فالبطل هو من يحكي القصة ، وبالتالي هو من يشكل معبر الأحداث الوحيد للقارئ ، وهذا ما جعل الرواية ذات تبئير داخلي ثابت في مجملها ، وإذ يغيب السارد البطل تدخل الأحداث المعمل الثاني حيث تتم عملية تحليل الحدث من الخارج ، وهذا ما يحتم تدخل المؤلف ( الملاحِظ ) ليملأ ما تركه السارد ( البطل ) من فراغ فيأخذ مكانه ليساهم بدوره في إبراز بطولة المفاهيم والأفكار .

الصدمة المدينية

تتناول الرواية مجموعة من الطلبة وقد تركوا قراهم ، ووفدوا إلى المدينة لاستكمال دراستهم الجامعية ، وذلك في بداية الثمانينات من القرن المنصرم ، في اللاذقية تبدأ مرحلة الاصطدام مع الواقع حيث المعاناة الشديدة من الفقر ، وضيق السكن ، وتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات ، ومع امتداد الزمن الروائي منذ دخولهم الجامعة إلى ما بعد الانتهاء من مرحلة التجنيد الإجباري ، تتوالى الأحداث لتعكس الموقف الرؤيوي للسارد أولاً ( سعيد ـ المهندس الزراعي ) وللمؤلف ثانياً حيث يتبادلان الأدوار في سرد الحكاية ومن ثم التحليل أو التعقيب أو التقديم استباقاً للحدث .هذا التناوب بالأدوار أدى بالمروي إلى حالة انعدام الوزن زمنياً ، إذ تبادلت الأحداث مواقعها على الخط البياني الزمني ، ففقد بتصوري هذا الخط جزءاً كبيراً من أهميته ، وبات المتلقي غير معني بزمن التفاصيل مكتفياً باعتبار ذلك العقد ـ الثمانينات ـ وحدة زمنية حاملة للأحداث والوقائع ذلك أن هيمنة الأفكار والمفاهيم وغلبة السرد المُحلِّل جعلت من المروي رواية نخبة وليست لقارئ عادي ، سيتوه بكل تأكيد بين مفاصل الرواية ويشعر بعدم الترابط بين وقائع النص . ومما ساعد على ذلك انفراد (سعيد ) برواية الحكاية والتعقيب بحيث لن يصل إلى المتلقي شيء إلا من خلال وجهة نظر هذا الراوي المستبد ، رغم محاولة المؤلف بكسر أحادية الراوي بالحوار لكنه لم يستطع السماح للأصوات بأن تتعدد ، وما جرى من حوار كان يخدم أولاً وأخيراً وجهة نظر الراوي.

نسق فكري صافٍ

يشكل سعيد شخصية ابن الريف بكل ما تحمله هذه الشخصية من نقاء وطهر وصفاء ، جاء محملاً بنسق فكري صاف تماماً كالطبيعة ، يعيش حالة انسجام متكامل مع نباتات الغابة وحيواناتها ، حيث كل شيء من حوله يعطي بلا حساب ، حتى العنف المُمارس في الطبيعة يبقى في سياقه الطبيعي حيث لا قتل إلا من أجل البقاء والاستمرار ، يأتي إلى المدينة ليعيش حياة الضيق والضنك ، فالناس محشورون في غرف ضيقة يجاهدون في سبيل تأمين لقمة الطعام ، إن كان في المرفأ حيث تُستغل الطاقات الإنسانية أو في الحارات حيث تنتفي العلاقات الإنسانية النبيلة ، ليحل محلها علاقات الفساد والاستغلال ، ومن خلال هذا التصادم يعرض سعيد رؤيته للواقع من حوله فنراه يسجل اعتراضه على ما جرى من اقتتال بين الأخوة والأهل في تلميح لما جرى أيام أحداث الأخوان المسلمين ، رافضاً فكرة أن يحمل الإنسان السلاح في وجه ابن جلدته ، كذلك يسجل رفضه لحالات الإثراء السريع التي يقوم بها متنفذون في السلطة عن طريق استغلال مناصبهم ، وذلك في عمليات التهريب أو استغلال عناصر الجيش في الخدمة الخاصة ، فالسيد وهو أحد الضباط الكبار يبني لزوجته مزرعة يحاول أن تكون أجمل من حدائق بابل ، ولأجل ذلك يستغل جهود الجنود في خدمته ، وإذ يفشل المهندس الزراعي في علاج أحد أمراض الأشجار نراه معاقباً في السجن حيث أمثاله كثر داخل القضبان .

وتكاد الرواية تقتصر في تبيان المفارقة بين الريف والمدينة على عاملين اثنين ، عامل الفقر وهذا مشترك بين أناس الريف وأناس المدينة ، وعامل العلاقات الإنسانية حيث الفساد يطال الجميع أما غير ذلك فأظن الرواية تحاول معالجة الفروقات الواضحة في نسبية تأقلم أبناء الريف في المدينة ، فما حصل من صراع بين سعيد وباقي الشخصيات كان صراعاً فكرياً ، فسعيد وباقي الشخصيات في معظمهم من أبناء الريف فمنهم من حافظ على أصله ومنهم من نأى بسلوكه عن بساطة الريف وصدقه حتى على الصعيد الجنسي حيث نرى زوجة الضابط ـ وهي ابنة القرية ذاتها ـ تحاول استجرار سعيد بالخديعة إلى قصرها لممارسة الجنس فقط لأن زوجها ينام مع أخرى لكن سعيد ينأى بنفسه عن ذلك ، كما نأى بنفسه عن ممارسة الدعارة أثناء زيارته لأحد أصدقائه ، وإذ يفشل سعيد في التأقلم مع حياة تمور بالفساد والخديعة والاستغلال يترك كل شيء في المدينة ويعود أدراجه إلى الغابة ليعيش في محميته الطبيعية بمساعدة صديق السجن حمدان ، مسجلاً بذلك موقفاً انهزامياً لمثقف لم يستطع أن يقدم أي شيء لأي إنسان لا على صعيد الفكر ولا على صعيد الواقع ، وهو حتى في عودته هذه لم يعد بمساعدة أموال نظيفة وإنما عرف أنه يبني قلعته داخل الغابة عن طريق غسيل الأموال ، وبذلك يكون قد انهزم مرتين . وإذا استطاعت الرواية أن تطرح رؤية للواقع وما فيه من فساد أو انحراف إلا أنها لم تستطع صنع أنموذج إيجابي رافض ، هل لأن هذا النموذج غائب أساساً عن الواقع ، أم أن ذلك تمّ لمجرد الانتصار للريف في مواجهة المدينة ؟ هذا سؤال يبقى برسم الإجابة ، إذ لا نستطيع الجزم بغيابه في الواقع لكننا نستطيع الجزم بأن المسألة ليست ريفاً أو مدينة ، وإنما هي إنسان أولاً وأخيراً خاصة وأن المدينة تبقى خطوة متقدمة على الريف ، وهي الحاضن الأساس لأي تغيير يمكن له أن يأتي.

لا حلول مقترحة

وإذا كانت الرواية قد استطاعت تحليل ما يعتري هذا الإنسان من ضعف وجهل واستغلال، إلا أنها لم تستطع طرح أي رؤية من شأنها أن تساعد في انتشاله من هذا البؤس كذلك لم تستطع أن تقدم أنموذجاً يرفض هذا الواقع من خلال رؤية فكرية واضحة ، أو يقاوم هذا الواقع فما ذكر من شخصيات في المجمل تقريباً كانت تحاول تحقيق عيش أفضل بغض النظر عن شرف الوسيلة ، هل يخلو المجتمع من هكذا نموذج ، حتى يقرر سعيد الانكفاء إلى الغابة ليعيش عيشة حيوان ؟ هل يقول لنا مثلاً أن معيشة الحيوانات أفضل من البشر ؟ وإنشاء علاقات طبيعية مع نباتات الغابة وحيواناتها أفضل من إنشاء علاقات مع المجتمع ؟ وهل أضحى المجتمع مجرد شريحتين إحداهما ثرية والأخرى مضطهدة وليس مطلوباً ممن يفكر بالإثراء سوى اللجوء إلى الأساليب الملتوية ( التهريب ـ الغش ـ الرشوة ـ بيع الجسد ) إلى ما هنالك ، أعتقد أن الرواية صرخة لإعلان موت أكثر منها دعوة للحياة ، خاصة وأن الراوي وهو يلامس بعض القضايا الحمراء كان يراوغ حول الفكرة ملمحاً من بعيد غير قادر على التصريح ، ما جعل ظلال القضايا تبدو مشوشة غائمة وهذا من جملة ما أثقل أيضاً على القارئ ، وجعل طريقه في تتبع الخطوط الدرامية وعرة وصعبة.

الكتاب: «أوقات برية»

المؤلف : غسان كامل ونوس

الناشر : دار إنانا 2006



الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة
وظائف شاغرة -اتصل بنا - دليل هواتف أوان شركة حوار للإعلام
©2008 Hiwar Media Co 

 

Source URL: http://www.awan.com/node/94596