الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة |
قال أحد علماء الآثار البارزين: «جميعهم مجرمون، وخاصةً الأميركيون». والدليل على ذلك هو أنهم يجمعون التحف القديمة. مثل هذا النوع من التعليقات يُعتبر هجوماً نموذجياً ضمن الصراع الطويل على من يجب أو لا يجب أن يمتلك أو يتاجر بالتحف القديمة. وتشمل الأطراف المتحاربة الحكومات والمتاحف وتجار اللوحات الفنية ودور المزاد إضافةً إلى علماء الآثار والأشخاص الذين يقومون بجمع الآثار.
جيمس كيونو يبحث في الأسباب البعيدة لهذا الصراع، من خلال إعداد تقارير عن الجراح التي يحدثها واقتراح خارطة طريق من أجل التوصل إلى هدنة قابلة للتطبيق. وبالرغم من أن العنوان الفرعي للكتاب يوحي بأن المتاحف هي شغله الشاغل، إلا أن المتاحف المتخصِّصة (التي تعرض السيراميك، على سبيل المثال، أو الفن الإسلامي) لا يتم التعرض لها في هذه الدراسة. والمتاحف التي تشغل اهتمامه هي فقط المتاحف الموسوعية، التي تهتم بعرض ودراسة «الأمثلة النموذجية عن الإرث الفني للعالم.»
تقرير من الخطوط الأمامية
بهذا يمكن اعتبار الكتاب بمثابة تقرير من الخطوط الأمامية. ومنذ عام 2004 يشغل كيونو منصب مدير ورئيس معهد شيكاغو للفنون، الذي يُعتبر من المؤسسات الموسوعية. وحالياً يتم تداول اسمه كخليفة محتمل لفيليب مونتيبيلو الذي سيتقاعد خلال شهر ديسمبر من منصبه كمدير لمتحف الميتروبوليتان للفنون في نيويورك.
وبالرغم من أن كيونو يقدِّر جيداً المواضيع التي تتمتع بأهمية جمالية وتاريخية وفنية، إلا أن هذا الكتاب يمكن اعتباره عملاً سياسياً. فهو يعتبر أن مناقشة أكثر القضايا وضوحاً- كالنهب والتجارة غير المشروعة، على سبيل المثال، التي يتفق الجميع ما عدا مرتكبيها على ضرورة توقفها- قد تبلورت من خلال الأهداف التي يسعى لتحقيقها المعسكران المتناحران: المعسكر القومي والمعسكر الكوني.
مدير المتحف البريطاني نيل ماك غريغور- الذي يُعتبر بامتياز نموذجاً للنزعة الكونية التي تسود المؤسسات- يقول إن متحفه يهدف لتكوين مجموعة من شتى أنواع التحف من جميع أنحاء العالم، من أجل الكشف «ليس عن حقيقة أبدية واحدة، بل عن الحقيقة باعتبارها شيئاً حياً متغيراً يُعاد ابتكاره باستمرار». ثم يرى أن التحف القديمة التي تُجمع من جميع أنحاء العالم تساهم في فهم ماضينا الإنساني، بغض النظر عن المكان الذي نعيش فيه.
الدول هدفها مختلف. مثلاً ترى إيطاليا واليونان ومصر والصين أنها هي وحدها المخوَّلة باقتناء الآثار القديمة التي ابتُكرت أصلاً على أراضيها، والتي تشير إليها باعتبارها إرثاً ثقافياً خاصاً بها. فهل هي كذلك حقاً؟ ربما كانت هذه التحف في الماضي البعيد عبارة عن أدوات مفيدة ساهمت في تكوين الهوية القومية، لكن هل هذا السبب لوحده كافٍ للاعتراف بالحق الحصري لهذه الدول باقتنائها والسيطرة عليها؟ كيونو، الذي يدرس هذه القضايا من كافة جوانبها، يجيب بـ»ليس بالضرورة» على السؤال الأول، وبـ»لا» على السؤال الثاني.
تأثر بأبيا
هذا ويعترف المؤلف بتأثره بالفيلسوف كوامي أنتوني أبيا. و كل من يقرأ كتاب أبيا «الكونية: الأخلاق في عالم مليء بالغرباء» سيدرك حجم هذا التأثير. ففي أحد فصوله الذي يحمل عنوان «ثقافة من هي في كل الأحوال؟» يكشف أبيا عن اللامنطقية الكامنة في العديد من ادعاءات التراث الثقافي. لنأخذ على سبيل المثال ادعاء نيجيريا بأن لها الحق الحصري في اقتناء منحوتات حضارة «النوك»، التي وُجدت على أرضها منذ 2000 عام. يشير أبيا إلى أننا لا نعرف شيئاً عن الناس الذين صنعوا هذه المنحوتات أو الهدف منها أو حتى عن أصحابها. الشيء الوحيد الذي يمكن قوله بكل تأكيد عن منحوتات النوك هو أنها لم تُصنع من أجل نيجيريا، التي لم تحتفل بعد بالذكرى المئوية لتأسيسها.
وكطريقة لإنهاء النزاع يوصي كيونو باعتماد مبدأ الشراكة بين علماء الآثار والشركات الراعية لهم والدول التي يجري التنقيب على أراضيها في اقتناء كل ما يتم العثور عليه. بيد أن القارئ يلمس أنه يشعر بالتشاؤم حيال ذلك. وهذا أمر طبيعي، لاسيما بعد أن بدأ التشدد السياسي يلقي بظلاله على ما يسميه كيونو «قوانين الملكية الثقافية الاستحواذية القومية».
لكن هناك ما يدعو للتفاؤل. إذ إن كيونو لا يأتي على ذكر الإنترنت إلا في نهاية الكتاب. لكن الفهارس المصوَّرة للمتاحف الموسوعية المتوفرة على الإنترنت يزورها جميع الناس بدءاً من الدائرة القطبية وصولاً إلى القرن الأفريقي. وبالرغم من أنه لا يزال من المبكِّر جداً تقدير الأصداء السياسية التي سيتركها هذا الأمر، لكن مما لا شك فيه أن الإنترنت تعزز مبدأ المشاركة والحصول على المزيد وعدم الرضا بما هو أقل، علماً أنه يمكنك القول إن الإنترنت ذات نزعة كونية بطبيعتها.
ترجمة - مالك عسّاف عن: «الإيكونوميست»
الكتاب: «من يمتلك الآثار؟ المتاحف وقضية الصراع على التراث القديم»
المؤلف: جيمس كيونو
الناشر: دار جامعة برينستون للنشر