Published on صحيفة أوان (http://www.awan.com)
مستعمرة الثقافة
في الكويت

Sunday, 27 يوليو 2008
صلاح دبشة

من الطريف، أن يكشف بعض المثقفين عدم رضاهم التام عن المشهد الثقافي الكويتي بسبب أشخاص أو جهات، كأن الإشكالية تتوقف عند شخص معين أو جهة محددة، وهذا التوجه نحو تعيين المشكلة في ذات أو جماعة هو اختزال للمشهد برمته في كيانات أو أفراد على حساب النظم المسيِّرة ومكونات البيئة الثقافية والناتج الإبداعي، ومن الملاحظ أنه نادرا ما يرى المثقفون ممن نعرف آراءهم على وجه الخصوص أن المشكلة هي جزء من شبكة معقدة قد يكون أحد خيوطها المثقف نفسه.

على مستوى الأشخاص، لا شك في أنهم أحيانا يتخذون إجراءات أو مواقف لا تنسب إلى الثقافة بقدر ما تنتمي إلى مفهوم الملكية وما ينتج عنه من تسلط وأنانية، فالمسؤول الثقافي أيا كان لا يملك الحق والأهلية بمنع ما لم يمنعه الدستور والقوانين المنظمة، أقول ذلك في الوقت الذي يحوّل فيه بعضهم مواد القانون إلى أدوات تستخدم في لعبة صراعاتهم مع الآخر، فتفعَّل هنا بحزم، ويتم تجاوزها هناك بليونة منقطعة النظير، ويمكن مراجعة قوائم العضوية لدى بعض جمعيات النفع العام كمثال على ذلك.

على مستوى المؤسسة، فهي غير محصنة من تشكُّل تقاليد ضد سيرورة الثقافة في بنيتها الإشرافية، وهو أمر غير مستبعد في ظل غياب الوعي وتذبذب إرادة التنمية والتطوير، هذه التقاليد تتحول مع الزمن إلى نظم متكلسة تمسك ببعض مفاصل المؤسسة فتظهر متطورة في جانب ومتخلفة في جانب آخر، ذلك يجعلها بالكامل ذات بنية غير منسجمة، تحت ظل كونها رسمية تخضع لإرادة سياسية تتأثر بالتجاذبات الدينية والاجتماعية.

لكن ما نراه مؤكدا هو أن الثقافة ليست بيد شخص أو في جلباب مؤسسة، فهي ذات طبيعة مفتوحة وعائمة، ورغم ذلك يواجه أولئك المثقفون معضلتين في اختزالاتهم لمشكلات الثقافة، تعاودان الظهور في حواراتهم ولقاءاتهم بشكل غير مباشر : الأولى تتمثل في تقييم المسؤول وفقا للمبادئ المستخلصة من مفاهيم الثقافة وتصوراتها الإنسانية الأوسع على حساب التزامه الوظيفي باللوائح والقرارات والقوانين -ذات البعد الأضيق- التي توجه عمل المؤسسة الثقافية، فنقد السلوك الثقافي هنا يقوم على إغفال الأسس الموجهة له، أما المعضلة الثانية فتأخذ بعدا شخصيا حيث الاتهام الموجه إلى الجهة المسؤولة ينطلق من العلاقة الخاصة المتبادلة بين المبدع والمؤسسة، وفي ذلك إغفال لكون المؤسسة ذات توجه عام قائم على التنوع والتغيير من جهة، ولكونها وسيطا ثقافيا بين المبدع والمتلقي يمكن إهماله من جهة أخرى. هاتان المعضلتان بإفرازاتهما الخطابية عند بعض المثقفين تستدعيان الحاجة إلى إعادة تشكيل معايير نقد المؤسسة، بحيث نتخلص من الطابع الذاتي وردود الأفعال الآنية على عملية تنظيم جزئية أو سلوك إجرائي محدود أو عبارات غير مدروسة.

ولعل ما هو أولى بالمواجهة من الأشخاص والمؤسسات الثقافية، يتمثل في الإيديولوجيات السياسية والاجتماعية والدينية التي تستعمر الثقافة بطرق مختلفة، منها توزيع مراكز للسيطرة على الخريطة الثقافية : الرقابة على الكتب، المنصب في المؤسسة، المنهج في التعليم، وهلم جرا، هذه الإيديولوجيات تفتح فيما بينها علاقات لتبادل المنافع والمصالح لمزيد من ترويض الثقافة، ومن هنا فالمثقف في أرضه المستعمرة لا يجدر به أن يقيم مظاهرة من أجل الخبز، بل أن يؤسس لثورة ضد الاحتلال.

salah.dabsha@awan.com [1]



الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة
وظائف شاغرة -اتصل بنا - دليل هواتف أوان شركة حوار للإعلام
©2008 Hiwar Media Co 

 

Source URL: http://www.awan.com/node/95606

Links:
[1] mailto:salah.dabsha@awan.com