Published on صحيفة أوان (http://www.awan.com)
مساجلات إسرائيلية في آثار حرب تموز ... اضمحلال مفهوم القدرة

Sunday, 27 يوليو 2008
محمود حيدر

لنقرأ بعضاً مما يحمله القول السياسي في إسرائيل الآن:

«علينا أن نبحث عن أسباب تدهورنا إلى الدرك الأسفل. نحن الذين نشن حرب أعصاب وحرباً نفسية ضد أنفسنا، ونعاني قلة الصبر ووهن الأعصاب وعدم التحمل وفقدان القدرة على الصمود وحالة من اللّااستقرار. ونعاني أيضاً التضليل واللهاث وراء الرأي العام، وكل ذلك على خلفية مستوى متدنٍ وهابط في القيادة السياسية وإعلام متفلت من عقاله. وفي الوقت الذي يبرز فيه الفرد اليهودي بمستواه الأخلاقي وإنجازاته الفكرية، تبدو إنجازات المجتمع اليهودي السياسية ومستواه الأخلاقي في أرض إسرائيل على مستوى هابط».

هذا المقطع مستهلٌ من مقالة الصحافي الإسرائيلي في «يديعوت احرونوت» الياكيم هعتسني تحت عنوان «نقاتل ضد أنفسنا» (الاثنين 22 تموز/يوليو 2008). فمن يقرأ ما يقصد إليه الكاتب سوف يلاحظ كيف تتوسع مساحة التشاؤم يوماً إثر يوم في المجتمع السياسي الإسرائيلي. ما الذي يدل عليه هذا النوع من الثقافة السياسية، وفي أي وعاء من التفكير يمكن أن ننظر إلى تداعياته المتسارعة؟

في الواقع لا يخبو النقاش الإسرائيلي حول الآثار المتمادية لحرب تموز 2006، حتى يعود ليشتعل من جديد، وضمن إيقاعات أشد وطأة وأعمق أثراً. ولعل الكلام على استعادة عامل القدرة في تحقيق التوازن داخل الشخصية الإسرائيلية، هو النقطة المحورية في النقاش المستأنف داخل المجتمعين السياسي والعسكري.

لكن مثل هذه الاستعادة، وهي تأتي تحت ضغط الفشل الاستراتيجي بعد سنتين من حرب تموز، تروح تستحضر سلسلة هائلة من الآثار التي ترتبت على تلك الحرب ونتائجها.

ربما يكون الوجه الأكثر تعقيداً وخطورة بالنسبة إلى التقييم الاستراتيجي الإسرائيلي هو التبدّل الذي عصف بجملة من المفاهيم الأمنية. ذلك على سبيل المثال، ما يتصل ببطلان فعالية الكثير من المعتقدات التي سادت صفوف الجيش الإسرائيلي في العقدين الأخيرين. إذ بعد تعيين الجنرال غابي أشكينازي رئيساً للأركان، تخلى الجيش عن واحدة من أهم نظرياته في العقدين الماضيين، وهي تقليص القوات المحاربة وتخفيض وتيرة تدريباتهم. وكانت إسرائيل قد أهملت، على الأقل منذ العام 2000، القوات الاحتياطية، واتجهت نحو تنفيذ شعار «الجيش الصغير والذكي». وكان الميل العام هو في اتجاه تحويل الجيش إلى جيش شبه تطوعي وتخفيض مساحة الخدمة الإلزامية. ملَّخص التغيير الذي أحدثته الحرب ونتائجها على العقيدة القتالية الإسرائيلية يرى عدد من الخبراء بأنه الفهم باستحالة تحقيق الحسم عبر القوة النارية، وأنه لا مفر من قوات برية تسيطر على الميدان. غير أنه من البديهي القول إن نظرة المجتمع الإسرائيلي للجيش الذي قيل عنه إنه «خيب أمل نفسه في نفسه»، تردت بأشكال كبيرة. ولا يقوم هذا التردي على رؤية المجتمع لواقع هذا الجيش وحسب، وإنما على رؤيته لنفسه أيضاً. وفي استطلاع جرى مؤخراً ونشر في صحيفة «إسرائيل اليوم» تبين أن ما لا يقل عن ثلث من يودون الخدمة النظامية يبحثون عن بدائل عمل خارج الجيش. وكل ذلك رغم الجهود الهائلة التي بذلت في العامين الأخيرين، والتي أسهمت في تراجع هذه النسبة عما كانت عليه في العام الفائت، وهي أربعون في المئة. ولا يخفي الذين استطلعت آراؤهم في الجيش حقيقة أن أبرز الأسباب وراء الرغبة في الخروج من الجيش تكمن في نتائج حرب لبنان الثانية.

في هذا الصدد يمكن فهم المعنى الحقيقي لنتائج حرب لبنان الثانية بعد عامين من نشوبها من استطلاع للرأي العام كشف عن حقيقة معاكسة لما أرادته حكومة أولمرت. فنتائج الحرب التي شنت لردع الجانب العربي انعكست سلباً على الجمهور الإسرائيلي. إذ أشار الاستطلاع الذي نشرته القناة العاشرة في التلفزيون إلى أن 57 في المئة من الإسرائيليين لا يؤيدون شن حرب بسبب أسر جنود على أيدي منظمات على الحدود الشمالية. يقول هؤلاء إنه لا ينبغي لإسرائيل أن تشن حرباً في الغد إذا جرى اختطاف جنديين آخرين على الحدود مع لبنان.

الأهم في هذا السياق أن حرب لبنان الثانية ونتائجها أضعفت أيضاً ثقة الجمهور بالقيادة السياسية عموماً، وبرئيس الحكومة إيهود أولمرت على وجه الخصوص. وقد أجاب 40 في المئة عن سؤال يتعلق بالثقة، بأنهم لا يثقون بأي من القادة السياسيين المدرجين. وتبين أن 2 ٪ يثقون بقدرة أولمرت على قيادتهم في الحرب المقبلة مقابل 7 ٪ بتسيبي ليفني و10 ٪ بشاؤول موفاز و16 ٪ بإيهود باراك و19 ٪ ببنيامين نتنياهو.

سوى أن ما يتعدى المشهد الإجمالي المشار إليه، هو النزوع المتواتر نحو التشاؤم بقدرة إسرائيل على استعادة معنى القوة في فلسفتها السياسية. ذلك أن غياب الثقة التدريجي بمبدأ القوة التقليدية الإسرائيلية وتفوّقها، يضاف الآن إلى نوازع الشك القوية في المجتمع الإسرائيلي. ويعترف كثيرون من المحللين أن المعادين لإسرائيل اكتسبوا معارف سياسية وأمنية فائقة الخطورة، وهي تتمثل أساساً باكتشاف نقاط ضعفها. ولئن تمكنت الآلة العسكرية الكلاسيكية على مدى حروب متواصلة من إخضاع الجيوش العربية، أو على الأقل من ردعها عن تحقيق انتصار كبير على إسرائيل- كما حصل في حرب 73 – فإنها (الآلة العسكرية) بدت عاجزة، ومشلولة حيال سلام سياسي شديد الاضطراب والتأرجح، وكذلك من ضمن أجواء استمرار الانتفاضة الفلسطينية. ويتساءل إسرائيليون من جماعات النقد، عما إذا كانت طائرات سلاح الجو أو دبابات ميركافا، لاتزال قادرة على فعل أي شيء في مواجهة صواريخ غزة، أو حرب عصابات متخفِّية وسريعة، أو انتفاضة عصي وحجارة. وثمة ما يشبه اليقين لدى كثير من الإسرائيليين أن ديناميات المواجهة المفتوحة مع الفلسطينيين ستؤدي الى قيام دولة فلسطينية معادية. أما الاتفاقات المعقودة، فهي لا تتعدى كونها نماذج من أوراق قابلة للاشتعال في أية لحظة.

هكذا فإن السجال الإسرائيلي الحالي حول نقاط قوة وضعف إسرائيل يتوسع باستمرار. ومع هذا التوسُّع تتراكم نزعات الشك في «سلام» ستفقد إسرائيل معه عوامل القوة التاريخية. حيث سيمنعها التحول الجيو - استراتيجي بعد احتلال العراق، والفشل في لبنان، وصعود الأطروحة الإيرانية كقوة تهديد إقليمية، من التفكير الجدي في شن حرب تعيد التوازن والتماسك لمجتمعها السياسي والعسكري والمدني. والواضح أن أحد أبرز الأسباب الباعثة للخوف لدى الاسرائيليين هو تصدُّع كتلتهم التاريخية، واضمحلال مقولتهم حول الإجماع القومي.

في الماضي مثلاً، كان الشك في القيادة السياسية، أو العسكرية لا يظهر إلى العلن إلا حين تبلغ عمليات النقد والاحتجاج والمعارضة ذروتها. فعلى الرغم من الاحتقان ضد القيادة ظلت تتوافر غريزة جماعية تدفع الناس إلى الاتحاد عندما يكون هناك خطر خارجي، أما الآن فقد تعرضت تلك الغريزة الجماعية إلى ضرب من الاهتزاز بنتيجة المراجعات الذاتية بين الإسرائيليين، وبعدما ولَّدت تحولات السنين القليلة الأولى من القرن الحادي والعشرين مناخات عارمة تفضي إلى نهاية تاريخ كامل من القوة والاقتدار، وبداية تاريخ جديد من المنازعات يرجح أن يكون أكثر احتداماً وإيلاماً من ذي قبل.

كاتب لبنان



الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة
وظائف شاغرة -اتصل بنا - دليل هواتف أوان شركة حوار للإعلام
©2008 Hiwar Media Co 

 

Source URL: http://www.awan.com/node/95633