![]() |
الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة |
|---|
نريد في هذه المقالة الوقوف على ظاهرة تقسيم الأعراق استنادا إلى تحيزات مغلقة طرحتها الثقافة الغربية منذ وقت مبكر، من أجل فضح تلك التحيزات التي تشمل كثيرا من الثقافات الحديثة التي نظرت للآخر نظرة دونية غايتها ترويج ثقافة الكراهية، فقد قسم اليونانيون العالم القديم إلى«إغريق» و«برابرة»، أي إلى«أحرار بالطبيعة» و«عبيد بالطبيعة». وهو تقسيم ظلّ يمارس دوره الفعّال، بصورة أو بأخرى، في ثنايا التفكير الغربي إلى الآن. وقد أخذت تجلّيات هذا التقسيم مظاهر متعددة حسب الحاجة والظرف التاريخي، وفيما كان العالم، طبقاً للتقسيم اليوناني، يتكوّن من«أحرار» و«عبيد»، أصبح في القرون الوسطى يتكوّن من«مؤمنين» و«كفّار». وانتهى في العصر الحديث إلى«متحضّرين» و«متخلّفين».
يعود أساس التقسيم الإغريقي إلى«أرسطو»، وهو تفكير يفضح عن نوع من التعصب العرقي المبكر، إذ يربط الآخر بالعبوديّة الطبيعيّة، ويحرر الأنا منها. ويخضع التقسيم نفسه في القرون الوسطى، الأمر إلى معيار الإيمان فيصلاً بين الذات والآخر، ثم يقوم التفكير الغربي الحديث، باعتماد مبدأ «الحضارة» للتمييز بين الأعراق والثقافات. ولهذا تتشكل ثنائيات ضدّية دائمة: إغريق/برابرة، أحرار/عبيد، مؤمنون/كفّار، متحضرون/متخلفون. كان هذا التقسيم مثار نقد قاس، فقد علّق كافين رايلي على التمركز العرقي الذي أشاعته الثقافة الغربية، قائلا «كان اليونانيون في واقع الحال خليطاً من جماعات مختلفة متفرعة عن هذه الأجناس من الشرق الأوسط وآسيا والبحر الأبيض المتوسط (الآسيويون +الأفارقة +القوقاز +الأوروبيون). ويُعزى أحياناً الازدهار الخيالي للثقافة اليونانية لهذا الخليط من الشعوب الذي يتسم بالحرية».
ثم يضيف بعد تقرير هذه الحقيقة ما يلي«لقد كان اليونانيون يزدرون الأجانب، ولكنهم كانوا يزدرون كل الأجانب بالتساوي وبصرف النظر عن الجنس، إذ كانوا يشعرون بأن الأجانب ينقصهم الاستقلال والحيوية اللذان تقدمهما الثقافة اليونانية». ويتعقب تجليات التمركز في الحضارة الغربية الحديثة، فيخلص إلى التأكيد بأن«العنصرية الغربية فريدة في مداها وشمولها، فهي لم تكتف بتسميم الثقافة الأوروبية، بل نشرت الميكروب في جميع أنحاء العالم».
وأضاف رايلي أنه «بمضي الوقت أفرز «الغربيون» رؤى عنصرية تضع الصينيين واليابانيين والشرقيين في مستوى دون الإنسانية». ورأى بأن العنصرية «أصبحت أسلوباً للحياة لدى القارة التي يسكنها الأوروبيون، ثم في القارات التي فتحوها». ويكشف حقيقة تلك الممارسة وموجّهاتها الثقافية، قائلاً «ما من مجتمع آخر، أنتج مجموعة من الشعراء والفلاسفة والدبلوماسيين المؤمنين بالعنصرية كتلك التي أنتجتها الطبقة الحاكمة الأوروبية والأميركية، وما من مجتمع آخر ربط بين قيمه الدينية والخلقيّة والاجتماعية والشخصيّة وبين العنصرية، هذا الربط الوثيق، ولعلّ هذا وحده ينهض دليلاً على مدى شمولية الاستغلال العنصري الغربي. لقد ألحّ الغربيون كثيراً وطويلاً وبشدة قائلين: إنّ ما يفعلونه لم يكن إلاّ أمراً طبيعياً».
هذا ما يتعلّق بالتعصب العرقي، أما ما يتعلّق بالتعصب الثقافي، فيمكن عدّهُ المرتكز الأساسي الثاني الذي قامت عليه علاقة الغرب مع الآخر، وكما أراد الإغريق أن يكونوا جنساً صافياً متفوقاً «إغريقيّاً» و«حرّاً» فينبغي أن تكون «الثقافة» أيضاً «إغريقيّة» صافية.
يقول الفيلسوف برتراند رسل إن «الفلسفة والعلم، كما نعرفهما، اختراعان يونانيان، والواقع أنّ ظهور الحضارة اليونانية التي أنتجت هذا النشاط العقلي العارم، إنما هو واحد من أروع أحداث التاريخ، وهو حدث لم يظهر له نظير من قبله ولا بعده». رسل يقطع «المعجزة اليونانية» من منابعها، ويرى أنها وجدت من لا شيء، إلاّ ما هو يوناني خالص، فهو يشكك بالمعارف التي تحدّرت من الحضارات المشرقيّة. ويرى أنها لم ترتفع إلى مستوى الفلسفة والعلم، ويعزو ذلك إما إلى «افتقار العبقرية لدى شعوب المنطقة»، أو إلى «أوضاع اجتماعية». ثم يخلص إلى أنّ «العاملين معاً لهما دورهما بلا شك».
لسنا في صدد مناقشة تفصيلية لجوهر المصادرة لثقافة الآخر، كما جاء ذلك في خطاب رسل، فالتأثير الفاعل والمؤثر للثقافات القديمة في الثقافة اليونانية أصبح معروفاً، ولا سبيل إلى إنكاره. وكتاب رسل نفسه «حكمة الغرب» يكشف عن كثير من موارد تلك الثقافة في تضاعيفه. ولكننا، ونحن نعرض للموجهات الأساسية الدفينة، للنظر إلى الآخر، حاولنا أن نبين بوساطة «استنطاق» الخطاب الغربي ذاته (رايلي + رسل) إنّ الموجهات تنهض أساساً على ضرب من التعصب العرقي والثقافي الذي يكوّن كتلة متجانسة، قوامها أفضليّة الذات جنساً وتفكيراً، ودونيّة الآخر عرقاً وثقافة. وسيكون لثنائية العرق / الثقافة، أثر يصعب حصره في توجيه فاعلية التفكير الفلسفي الغربي تجاه الآخر.
كاتب من العراق