![]() |
الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة |
|---|
غداة الهجوم على العراق (2003) حسب بعض من في الإدارة الأميركية، أو المقربين منهم، «العارفون» ببواطن الأمور في الشرق الأوسط، أن المسألة ببساطة لا تعدو كونها مجرد سوء تفاهم أو نقصا في المعلومات لدى العرب والمسلمين عن توجهات السياسة الأميركية وبواعثها. و هكذا ارتأى هؤلاء أن ضخ المعلومات «الصحيحة» ومن مصادرها الأصلية «الأميركية» لا بد أن يعيد الأمور إلى نصابها، وتستعيد الولايات المتحدة صورتها الحقيقية، باعتبارها المدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم.
والواقع أن أحدا لا يستطيع إنكار التفوق الأميركي في التعليم والصحة والاقتصاد، والدور المتواضع -بالمقابل- في القدرة على إنجاز ثقافة إنسانية حقيقية كالثقافة الأوروبية مثلاً.
دعا المسؤولون المؤسسون لـ«الحرة» كوادر من أماكن محددة عرفت باستعدادها للانخراط في المشروع الأميركي والترويج له، بل وربما الدفاع عنه (لعله دفاع عن تحسين الوضع المادي قبل كل شيء) وفرصة للحصول على لجوء اقتصادي إلى «الحلم الأمريكي». وأذكر أن الثقافة التي كانت تبث من «الحرة» على شكل حوارات مع فنانين وكتاب عرب -(لاحظ أن معظمهم كانوا من دول الجوار تحديدا بهدف تكوين رأي عام معاد لأنظمتهم الحاكمة)- أخذت منحى استفزازيا لكي يُستدرج الكاتب أو الفنان إلى السياسة المباشرة والفظة في آن معا، بعيداً عن الفن أو الأدب كقيمة فنية ومعرفية وجمالية، تعمل لذاتها، وفقاً للفهم الأميركي الليبرالي.
كانت الغاية غير المعلنة إذاً، إنشاء توجه دعاوي (بروبوغاندي) رغم الأقنعة كلها والذرائع كلها.
الجرعة الديمقراطية التي يحتاجها المشاهد ليعمق من ثقافته الديمقراطية، بدت ضئيلة، بل وربما غير مرغوب بها !
وفي الوقت الذي كان المشاهد العربي، يجد الرأي والرأي الآخر في قناة «الجزيرة» (كان الأميركيون المغالون في عدائهم لكل ما هو عربي وليس للأنظمة غير الديمقراطية فحسب، من توماس فريدمان إلى دانيال بايبس وسواهما يظهرون على شاشتها، وكذلك كان الإسرائيليون).
في الوقت نفسه نادراً ما كانت «الحرة» تفسح المجال لمنتقدي السياسة الأميركية ليقولوا ما عندهم.
وقد حدث ذات مرة أن بثت القناة فقرات طويلة نسبياً من خطاب للسيد «حسن نصر الله»، ونقلت مشاهد من مؤتمر حول الهولوكست عقد في طهران، فكانت النتيجة إقالة المسؤول عنها، وهو الذي يتمتع بكفاءة مهنية أتاحت له أن يكون من المميزين في «سي. ان .ان»!!
ولم يقف التحفظ على الرأي الآخر-كما تقول مراسلة «السفير» في واشنطن 2/7/2008 - عند هذا الحد، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ وجّه المسؤول الأميركي عن «الحرة» ملاحظة لأحد مقدمي البرامج السياسية «بأنه لم يجادل ضيفه الفلسطيني (هاني المصري) عندما تحدث عن المحرقة في غزة، وكيف أن بوش وصف إسرائيل بالدولة الديمقراطية (في خطابه أمام الكنيست).
هذه الحساسية المفرطة تجاه كل ما يتعلق بإسرائيل، والتي تزداد عندما يكون الموقف من هذه الأخيرة نقدياً، لا يمكن تأويلها إلا بدافع واحد، هو المزيد من التغطية والتبرير لكل ما تقوم به آلتها الحربية.
كيف يمكن للصدقية - التي جاءت «الحرة» لتبشر بها - أن تتحقق عملياً والواقع يشي بالنقيض؟!
«الحرة» إعلام موجه للخارج، ممنوع في الداخل مثل «صوت أميركا» و«راديو سوا»، التي قرر المشرفون عليها اعتماد مدخل فني (بث الأغاني) لجذب المستمع، وبالتالي «تمرير» أخبار صيغت من وجهة نظر أميركية، خلافاً لـ«بي.بي.سي» التي أدركت منذ زمن بعيد أن مقتل أي وسيلة إعلامية يكمن في دعواتها و مباشرتها.
وإذا كان هدف «الحرة» المستتر والمعلن تجميل الوجه الأميركي على حساب دافع الضرائب الذي بدأ يتساءل عن الأموال الطائلة التي أنفقت عليها(حوالي 350مليون دولار) فإن الاستجابة المتواضعة للنداء الأميركي، ربما تكون أفضل دليل على الفشل ( نسبة المشاهدة عربياً 2 % وفقاً لإحصاءات سي.بي.اس).
أميركا المحتلة للعراق، والذي تحول على أيدي جهابذتها من بريمر إلى كروكر، إلى أرض محروقة وشعب لاجئ و مُهجَّر، يبحث عن الأمن والغذاء والكرامة (نشرت الصحف قبل أسبوع صورة بليغة الدلالة، لجندي أميركي يضع قدمه على رأس شاب عراقي في مدينة الصدر، متجاهلاً صراخ الأم في وجهه).
ولم يعد ثمة من يجهل الممارسة الأميركية في فلسطين المحتلة وأفغانستان، حيث آلاف المدنيين يقتلون جراء القصف العشوائي.
جميل أن يُنشر الفكر الديمقراطي، وجميل أيضاً أن تكرَس الحرية كقيمة أساسية في حياة شعوب الشرق الأوسط، ولكن عندما يقف المواطن أمام خيارين، لا ثالث لهما كما يبدو، الأمن أو الديمقراطية، فإنه سيختار الأمن. إذ ما جدوى الحرية والديمقراطية عندما تُغتال الحياة؟ ..
لن تستطيع قناة « الحرة» أو سواها، إصلاح ما أفسدته السياسة الأميركية الحمقاء في السنوات الأخيرة، ولن تجديها أطنان الكلام ..
كاتب من سورية