![]() |
الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة |
|---|
على الرغم من الأجواء العاصفة في منطقة الخليج والعالم بصورة عامة، فإن الأيام القليلة الماضية حملت أنباء تبعث على التفاؤل، منها إعلان طرفي الصراع (الولايات المتحدة وإيران) رغبتهما في تجنب استخدام العنف والبحث عن سبل أخرى لإنهاء الأزمة المتفاقمة بينهما منذ سنوات مضت حول ملف إيران النووي.
فقد عبر الرئيس الأميركي عن إمكانية إجراء محادثات ثنائية حول الملف النووي الإيراني، وأكد على أن كل الخيارات تظل مفتوحة مع طهران، وهو موقف اتخذه على خلفية قناعات عامة تأكدت لدى كل من الإدارة البيروقراطية داخل وزارتي الخارجية والدفاع بصعوبة إعلان الولايات المتحدة الحرب ضد إيران. وعزز من روح التفاؤل وجدية القناعات الجديدة حضور «ويليام بيرنز» ممثلا للإدارة الأميركية في محادثات جنيف، وتعليق وزيرة الخارجية «كوندوليزا رايس» بأن حضور ويليام، دليل على أنه ليس للولايات المتحدة «أعداء دائمون».
وكانت الدراسات الأميركية قد توصلت مبكرا إلى ضرورة أن تدير الإدارة الأميركية ظهرها لدعاة الحرب، لأن الظروف الإقليمية في المنطقة، والإخفاق السياسي والعسكري المتواصل داخل العراق، ضيَّق من فرص نجاح الحلول العسكرية، وعبر عدد من الباحثين عن شكوكهم الكبيرة بإمكانية أن تؤدي الضربات العسكرية إلى شلّ القدرات الإيرانية تماما، عوضا عن قدرتها على تقويض النظام الديني، وقد ترافقت تلك المواقف والقراءات الأميركية مع إبداء طهران الكثير من المرونة تجاه تفكيك الأزمة ونزع فتيل توتر «الملف النووي».
على الرغم من تلك الأخبار الإيجابية، فإن الأزمة لاتزال قابلة للانفجار، ومن الواضح أن كلا من الولايات المتحدة وإيران قد حددتا الطريق الذي يجب على كل منهما أن تسلكه في الأيام القادمة، لكن المقلق والمثير للتعجب أن دول الخليج وهي المتضرر الرئيس من أي نزاع قائم في المنطقة لم تحدد حتى الآن ماذا تريد؟ وفي أي اتجاه ينبغي عليها أن تسير؟ فجميع دول المجلس دونما استثناء تفتقر لرؤية واضحة لزمن الحرب، كما أنها كانت ولاتزال تفتقر لرؤية أوضح في زمن السلام. ويبدو لي أن الحرب العسكرية أو ما يُطلق عليها «حرب الخليج الثالثة»، والكثير من الأزمات المقلقة في المنطقة، لايزال في الإمكان تجاوزها والتغلب عليها، لو تم التعامل معها بنوع من الجدية والاهتمام، والتخلص من تكرار الخطأ القاتل الذي ارتكبته دول المجلس في تعاملها مع الأزمات السابقة «بنظرية الإهمال»، وكأن الحرب التي ستندلع «لا قدر الله» تجري في المحيط الهادي وليس في بحر الخليج.
دول الخليج مطالبة بأن تُمثل «عامل توازن» في المنطقة عبر استراتيجية واضحة وفعالة تؤهلها للتعاطي مع مختلف الاحتمالات، بهدف إفشال التوجهات غير العقلانية التي يمكن أن تورط المنطقة في صراعات لا طائل منها، ولاسيما أن دول الخليج تمتلك الكثير من المقومات التي تؤهلها للعب دور استراتيجي في رسم مستقبل المنطقة. فالمصالح الضخمة المتبادلة بين دول التعاون والولايات المتحدة من جهة، وبينها وبين الجمهورية الإسلامية من جهة أخرى، تمكنها من رفع سقف إسهاماتها في رسم السياسات العامة في المنطقة وتثبيط محاولات العبث الدائم بأمنها، بل وبجغرافيتها. جربت دول الخليج منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين،(حيث شهدت المنطقة أربع حروب مدمرة، وعدة أزمات أمنية وسياسية طاحنة)، سياسة الوقوف على التل، وما أطلق عليه الحياد السلبي، وتأكدت من أن التل لم يحمها من الطوفان، ولاتزال تداعيات تلك الحروب والأزمات مستمرة، وعليها الآن أن تفكر في استراتيجية أكثر فعالية، تساعدها على توحيد الموقف تجاه القضايا الأمنية والإقليمية المتعلقة بمصيرها، وتحويل العلاقة بين دول المجلس والولايات المتحدة بالدرجة الأولى من صيغتها الفردية إلى الصيغة الجماعية. فمن الواضح أن تعاطي كل دولة خليجية على حدة مع المشكلات الأمنية التي تواجه المنطقة، وترتيب كل دولة علاقاتها منفردة مع الدول المختلفة سواء مع جيران الخليج أم الآخرين لم يعد يوفر ضمانا لأمن المنطقة وأمنها، فهي لا تستطيع أن تمثل رقما مهما وحساسا، وهي تشكو من تشتت المواقف والتوجهات حول قضايا المنطقة وتحدياتها. مطلوب إذن الاتفاق أولا على تحديد المخاطر الأمنية التي تواجه دول الخليج مجتمعة، وثانيا تحديد طرق مواجهة تلك المخاطر، وثالثا السعي نحو اتخاذ مواقف على قدر كبير من المسؤولية تجاه القضايا والأزمات المختلفة، وأخيرا أن تتحمل دول التعاون مسؤولية استقرار المنطقة بشكل جدي. وهو أمر لا يتم من دون أن تُطلق دول الخليج مراصد بحثية متقدمة تكون على مستوى متابعة وكشف المخاطر التي تحيق بالمنطقة، وتمتلك القدرة على استشراف التطورات السياسية والأمنية والاجتماعية والثقافية المتسارعة، لأن المعلومة الصحيحة والموثقة والفورية قوة، ومن شأنها أن تعزز ثقة الدول بقدرتها على مواجهة التحديات والتخفيف من حدة المخاطر.
أيضا هذه الأزمة، وبغض النظر عن تطوراتها السياسية، تعد فرصة سانحة أمام دول الخليج للتعبير عن رغبتها في استقلالية القرار، وأن تُثبت للعالم أنها دول راشدة لا تحتاج إلى أوصياء وأسياد يديرون مستقبلها وعلاقاتها مع الآخرين، وهو أمر لا يتحقق دون التخلص الفوري من كل صور الارتهان للقرار الأميركي، بخاصة بعدما تحول الدور الأميركي إلى عبء على المنطقة وشعوبها، وهي أيضا فرصة سانحة لتربط هذه الدول علاقاتها ومصالحها مع مختلف الأطراف المؤثرة في مساراتها السياسية، ومُحدد تلك العلاقات هو مصالح دول الخليج وحاجات شعوبها، لا مصالح الولايات المتحدة وأطماعها.
مثل هذا المشروع من الطبيعي أن يكون مكلفا، وربما يتسم بالضبابية خلال الفترة الأولى من انطلاقه، خصوصا أن دول المجلس لاتزال تعاني من عدم استقرار علاقاتها الثنائية، ولم يسجل مجلس التعاون نجاحه في ترسيخ ثقافة العمل المشترك بين أعضائه بصورة جدية، لكن من المؤكد أنها الطريق الوحيدة التي يجب أن تسلكها هذه الدول حتى تتمكن من الخروج من حلقة الأزمات المستمرة والبالغة الخطورة.
كاتب كويتي
Links:
[1] mailto:ahmed.shehab@awan.com